آخر الأخبار

صوت الذاكرة …قصة قصيرة


صديقة صديق علي

“إن تاريخ كل مجتمع موجود إلى يومنا هذا هو تاريخ الصراع الطبقي”

كتبت هذا -وكان محور محاضرتي- على اللوح  والتفتُّ الى أعين لا أقرا منها إلّا الجمود و عدم الاهتمام …وكي انتشلهم من سباتهم …سألت :

-من يذكر لي أسباب حتمية الصراع الطبقي ؟

أتاني صوت احد المتندرين :

ـأي طبق تقصد ؟ ..طبق القش أم( الدشّ) ؟ويقصد الصحون اللاقطة،ركّزتُ نظري بعينيه ما أربكهُ.

 قذف سؤاله بي  إلى محيط طبق قش مصنوع من سيقان القمح ..تعلوه بسخاء أرغفة الخبز والقليل القليل  من كل ماعداها. نتربع على حصير أنا وأخوتي الستة. تلاصقُ ركبنا ببعض يسهل علينا  النكز، و بث رسائل التذمُّر، والسخرية، دون أن نلفت نظر والدينا …الّلذين لا ينتبهان لأحاديثنا المشفّرة  إلّا إن فلتت من أحدنا ضحكة تكرج وراءها ضحكات متتالية كالدومينو، ما يستدعي تلويح العصا بيد أمي أو نظرة صارمة لائمة من أبي تُخرسنا .

تصل الى مسامعي همسات الطلبة المكبوته …و تساؤلاتهم حول صمتي والجميع ينتظر حكمي  ويتنقّلون بأعين الترقب بيني  وبين من تجرّأ على السخرية بمحاضرتي سألته :

ـوهل رأيت يوما طبق القش …؟

ودون ان أسمع جوابه غبت ، …في لمعان صينية نحاسية مطعّمه بالفضة تتّكِئ بغرورها على حائط تفوح منه رائحة الكلس المنتشي مع الطين …تبدو نشازاً وهي ترقب فقرنا و تحتقر هشاشة  طبق القش وتتحدّى آمالنا في  التحلّق حولها  يوما ..لكن هيهات فأمي تحرّم علينا المساس بأيقونتها الشاهدة على عزّ أبيها المنصرم أمام إسرافه ونزواته .

وحدها أختي كانت تلمسها لتنظف الغبار عنها ..وكانت لاتعني لها بشيء سوى كرهها لها ، لأنّها تضيف إلى أعبائها عبئاً تافهاً كما كانت تسمّيه …أفهمتني  فيما بعد أنّه لا قداسة لما نقوم بتنظيفه ولا نستطيع تناول قوتنا منه ،وهذا ما برّر لي تشفّيها من دائرة بيضاء كانت  مُرتَسماً للصينية على الحائط  لم يطَلها الاصفرار كما وجوهنا، يوم ولولت أمي إذ أفاقت على سرقة مجدها ،وهي تلوم أبي وتتّهمه بتسهيل السرقة من بابٍ تركه موارباً للّصوص كي يقطع جذورها ،يومها بكينا مع أمي خسارتها إلّا أختي فقد كانت شامتة.و كان أبي لا مبالياً.

قلت: 

في العمق و باللاوعي عند  أمّي.. لم تكن الصينية بقطرها الكبير هدية ثمينة من أمها و تاريخ زاخر من الطفولة كانت تهطل على ذاكرتها  بردا وسلاما فقط، بل كانت سلاحها الصامت المشهور دائما  في وجه أبي، لتذكّره بتضحيتها العظيمة أمام حبّها الكبير المتهالك بأفواهنا .

صحوتُ على تصفيق الطلبة وأدركت أنني كنت أفكر  بصوت يتابعونه بشغف.

صديقة صديق علي

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *