آخر الأخبار

من حكايا المطر


(العابرون )

…………

هناك على نهدة سامقة في الجبال ,على كتف( رويسة صبح )تقف شجرة بلوط تمدّ ضلوعها الباسقة فتشقّ أجواز النسيم وتهدهد أغصانها نسائم الجبال المنعشة

هناك في الأعالي تقف شامخة مثل كائن أسطوريّ يربض في عُلاه يحرس بساط الخير في سهل الغاب ويرقب سندس الجبال الأزلي الغارق في الاخضرار والحكايا والأساطير .

هناك حيث تعانق الغيوم هامات الذّرا تقف شجرتي , تضرب جذورها عميقا في صخور المنحدر الحادّ وتغور في رحم الأرض الولود بالصبر والصمود.

من هنا عبر الطالعون إلى إلى (أبو كليفون ) فقالوا وارتاحوا وصدحوا وتابعوا المسير , وهنا أخذ النازلون من زيارة الدبّاح مزار البركة  قسطاً من الراحة تمنّوها خلال صعودهم وفردوا بعض بخورهم وأحلامهم باستجابة أدعيتهم اللاهفة الحرّى

وتحت هذه الظلال الوارفة جلس العابرون إلى قرى الساحل القريبة في المقلب الآخر من الجبال وهم يصلون بين خديّ الجبل غدوّاً ورواحاً في الليل والنهار , على تلك الصخرة البيضاء جلس أسعد بلاطة الرجل الطيب المبروك يروي حكايته مع خفر الأحراج في زمن الدخان في قريته (بلاطة), وعلى تلك الدكّة التي رصفت أحجارها يدا والدي جلس توءمان من بسين صامتين يتأملان الامتداد الكبير لصحن الغاب الأخضر وغابات الطرفاء التي كانت تطرّز أطرافه الغربية ( خرسان بسين…هكذا كان يطلق عليهما) اللذين غابا في الزمن وظلا في الحكاية والذاكرة لونا من طعم المحبة والتواصل

وعلى قفل الشجرة هنا دائما كان يخفى أبو نقصة تبغه الأشقر البهي قبل أن يعلو صوته الرخيم بلهجة بوشراغي المائلة الحبيبة : بو صاليح خلصو دخاناتك ؟؟؟

وهنا رأيت مرارا رجال حماة الديار شباباً صغاراً يتجمعون بعد مسير جبلي لعشرات الكيلومترات , طلاب ضبّاط يؤدّون دورة الصاعقة , يرتاحون بعض الوقت في انتظار بعضهم ويشربون الشاي بالورد الجوري من بيت أبي صالح ويحلم كلّ منهم بنجمتين تستقرّان عل كتفيه بعد أيّام .

بين شبكة أغصانها الكثيفة غرّد الدنينور وهدل الدّرغل واليمام بحكايا الحبّ والربيع المتجدد فوق رؤوسنا ونحن نتأرجح على حبال الفقر المتدلية من أغصانها ونطير مع الفرح والأحلام الصغيرة

وهنا التقطنا حبّات (الدّوّام) الكستنائية التي طالما استفزتنا رائحتها الشهية وهي تتقلب على لهيب مدفأة الحطب الجسريّة ولفّت ألستنا مرارتها الطيبة

وإلى هذا المكان كان يأتي راعي الماعز (خرفان) بالجدايا لتأخذ حصتها من ثمار البلوط (فتقرط )ما تجده على الأرض ثم ترفع فمها نحو الأعلى لتلتقف ما يهطل منها بعدما يهزّ خرفانُ الأغصان القريبة ويجلدها بشبّيطه الطويل  .

البلوطة .

مرّ الشتاء قاسيا جدا هذا العام عصفت الريح باردة وهائجة وبدا أنها تريد وضع حدّ لحياة هذا الكائن العملاق الراسخ الشامخ, تناثرت أوراقها كفراشات تائهة في المدى وتمايلت أغصانها إلى فوق بكبرياء وإلى تحت بتواضع , تقصّفت بعض عيدانها وراحت تبكي بنشيج حادّ غطّاه عويل السهوج الهادرة كالسيول

تغلغل الصقيع في قشرتها الدّاكنة الخشنة وعشش في ثنياته ومزّق بعضا من مطرفها البنّيّ حتى بان صدرها الأبيض الناصع باسماً هازئا بالريح وبردها وجنونها

كثير من الناس راح ينذر بتحطمها وموتها المحتّم وكثير آخرون راحوا يتلمظون قائلين : لن تصلح بعد اليوم لغير النار ففي أحطابها كفاية من البرد في هذا الشتاء الطويل الغريب , وشحذ آخرون مناجلهم وأسنان مناشيرهم وهم ينتظرون وجبة دسمة لنيران غلّهم المتأججة في صقيع قلوبهم وظلام عقولهم

داعب الخيال آخرون فصنعوا من جذعها مقاعد تسدّ خزي سوءاتهم فسال لعاب ضلالهم , ومن الناس من رأى أن تقص بعض أغصانها الكبيرة فجذعها الهرم لا يحتمل هذه الأخشاب التي تتحرك في الريح كأنوال متعبة

طالت أيّام الشتاء , امتدّت على ضفاف الربيع والصيف , استمرّ قصف الريح الهائجة , لكنّ الشمس الربيعية التي مزقت حجب الغمام الشتوي عانقت أغصانها ودفّأت أوصالها وجذورها الممتدة في رحم الحقيقة الراسخة عشرة آلاف عام مدّت جذعها بنسغ البقاء , وعلى جذعها نبتت أعشاب ناعمة حريرية غطّت ما ظهر من أحشاء صدرها

تفتحت أوراقها من جديد وثمارها الخضراء الصغيرة راحت تنمو بشكل عجيب , واعتنقت أغصانها نسائم الجبال المنعشة ونور الشمس راح يغازلها بآلاف العيون الغامزة الضاحكة دنانير متطايرة في أحضانها وأنشدت الطيور سيمفونية الحب الخالدة بين أغصانها خصبا وفرحا

وفي ظلالها الخضراء تعالت أصوات الأولاد الطالعين لقطاف البرقوق الأحمر البري وراحوا يتراكضون ويقفزون كتلك العصافير الفرحة فوق أغصانها …..كانوا فرحين بانتهاء العام الدراسي ..لم يصطحبوا معهم كتبا ولا دفاتر ولا أقلام لكنّ صبيا شقيا منهم صعد إلى أعلى غصن فيها وسط هياج رفاقة وصخبهم ومن مرتقاه بدا نسرا صغيرا رائعاً , مدّ يده وقبض على غصن رشيق متعامد شامخ وأماله نحوه بخفة وثبت عليه علما رائعا بنجمتين خضراوين وثم أطلقه فاهتزّ قليلا ثم تعامد من جديد وخفق العلم وراح يرف بألوانه الجميلة , في حين راح الأولاد يصفقون ويرددون بحماس : حماة الديار عليكم سلام ,أبت أن تذلّ النفوس الكرام , عرين العروبة بيت حرام وعرش الشموس حمى لا يضام .

مازالت البلوطة شامخة تعانق الشمس والنور ,                      

جمال طرابلسي _حلب

نبذة عن الكاتب

الإعلامية منيرة أحمد مديرة العلاقات العامة والإعلام بالأمانة العامة لمدرسة النهضة الأدبية الحديثة مديرة موقع صحيفة نفحات_القلم عضو جمعية بانياس الثقافية عضو منصة الحوار السوري السوري عضو الجمعية العلمية السورية التاريخية مديرة التسويق الإعلامي في قرية سامراء السياحية مديرة للإعلام في مؤسسة بالميرا للعناية بالمرأة والطفل شاركت في العديد من الملتقيات الشعرية والأدبية في محافظات : دمشق- حمص – طرطوس – حماه – اللاذقية كما أنها مشاركة بالمؤتمرات التي عقدت في كافة المحافظات السورية حول تمكين المرأة ولها عدة محاضرات ولقاءات متلفزة حول موضوعات أدبية وتربوية هامة قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر العربي الثاني لبنان2016 قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر العربي الثالث بالأردن نوفمبر2016 قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر العربي الرابع القاهرة فبراير2018 قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر الخامس القاهرة فبراير2019 كرمت كأفضل شخصية إعلامية عربية في مهرجان القاهرة 2018 كرمت من أكاديمية ايراتو صقلية الإيطالية لعامين متتاليين دبلوم بالأفكار الفلسفية الشعرية نالت عدة شهادات تكريم من ملتقيات ونواد ( أدبية – فكرية – سياسية) صدر لها ديوان لآلئ

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *