آخر الأخبار

الوداع

‏وليد.ع. العايش‏

_ يوميات رمضان _

_ ٣٠ _


جمعت غادة مصاغها الذهبي في حقيبتها الصغيرة ، لملمت بعض ثيابها ، وضعتها في كيس من الورق ، نظرت إلى طفلها الذي مازال في عامه الأول ، قبلته على ثغره الأبيض ك ثلج كانون ، مالبثت أن فتحت الباب للمرة الأخيرة .

لم تكن السماء صافية في تلك الليلة ، لكن الهدوء يغرق شيئا فشيئا في خضم ريح تتصاعد رويدا رويدا …

كم أنها لم تتوقع أن تجد أحدا عند الباب ، أو حتى في الطريق المؤدي إلى حيث لا تدري …

_ أين أنت ذاهبة يا امرأة …

صعقت بالصوت الآتي من خلف شجرة صغيرة تقبع بالقرب من نافذة البيت .

_ لست أدري … لست أدري … لا شأن لك بهذا …

_ كيف لا شأن لي … ألست زوجتي …

_ آه … كنت … كنت … هل نسيت بأنك رميت يمين الطلاق صباح اليوم …

_ عودي إلى البيت كي نتفاهم يا غادة …

_ لا لن أعود … أتفهم … لن أعود … لقد انقطع ما بيننا … يكفيني عذابا ، لقد تركت لك كل شيء … فقط دعني أذهب …

حاول أن يتحدث ، لكن ظلها بات يبتعد عنه ، ربما لم تعد تسمع ما يقول …

لحق بها جريا ، أمسك بثوبها بقسوة ، شدها إلى الوراء ، كانت يده أكثر قسوة من لسانه …

_ أريد أن أرى ما تحملين …

_ إنها ثيابي … ثيابي يا ( ….. ) .

_ اعطني الحقيبة الصغيرة … نزعها من يدها عنوة … لكنها أعادتها بحركة مفاجئة …

_ ماذا تريد … لا شيء سوى مصاغي …

_ إنه لي … هاتيه … واذهبي إلى الجحيم …

كم كانت تلك الكلمات صلبة قاسية ، فالمصاغ هو كل ما تملك ، لقد اشترته بما جمعته من مصروف البيت ، كيف ستمضي بلا أي نقود ، أين ستسكن ، كيف ستأكل …

فتحت الحقيبة ورمت إليه بالمصاغ الذهبي …

_ خذه … لا أريد شيئا يذكرني بك بعد اليوم …

التقطه بنهم ، نظر إليها وهو يدير ظهره .

كان أكرم رجلا في العقد الرابع من عمره ، متوسط القامة ، عريض المنكبين ، شارباه يتدليان كعشب على شفتيه الغليظتين ، لونه الأسمر ( الفاتح ) كان سببا ذات يوم في إعجابها به ، لكنها لم تكن تعرف كم يحمل من الغيرة القاتلة ، والبخل الأعمى في طيات قلبه .

صعد أكرم درجتين من الدرج المؤلف من ثماني درجات فقط ، غادة مازالت قريبة جدا منه ، خطواتها متلعثمة جدا ، المطر بدأ يتساقط بغزارة ، الظلمة تزداد حلكة ، ربما تفقد غادة كل شيء في هذه اللحظات …

فجأة دوى صوت هز أركان البيت ، سقط أكرم عند الدرجة الثالثة ، ارتطم رأسه بحافة البلاط ، قذفت بحقيبتيها وجرت نحوه ، كان يلفظ شيئا ما … الزبد الخارج من فيه يمتزج بالدم المنبثق من رأسه ، رفعت رأسه ووضعته على ركبتيها ، من سينجدها في هذا الوقت ، المزرعة بعيدة عن الجوار ، حاولت أن تحمله ، كان ثقيلا جدا ، فتح عينيه للحظة ، نظر إليها وأنفاسه تتحشرج من صدره العريض …

_ هواء … هواء …

أمسك بيدها الناعمة ، كاد أن يهشم أصابعها ، التقت نظراتهما من جديد ، حينذاك كانت دموعها تسابق المطر ، مرت أمامها صورة أكرم الشاب الأسمر ، نسيت مصاغها الذهبي الذي قبع عل على الدرج بازدراء …

وصل بكاء الطفل الصغير إلى أذنيها ، صرخت بأعلى صوتها وهي ترنو إلى السماء …

ضحك الطفل هذه المرة ، أومأت بإصبعها نحو الباب الذي مازال مفتوحا …

________

وليد.ع.العايش

٣٠ رمضان / ١٤٤٠

نبذة عن الكاتب

الإعلامية منيرة أحمد مديرة العلاقات العامة والإعلام بالأمانة العامة لمدرسة النهضة الأدبية الحديثة مديرة موقع صحيفة نفحات_القلم عضو جمعية بانياس الثقافية عضو منصة الحوار السوري السوري عضو الجمعية العلمية السورية التاريخية مديرة التسويق الإعلامي في قرية سامراء السياحية مديرة للإعلام في مؤسسة بالميرا للعناية بالمرأة والطفل شاركت في العديد من الملتقيات الشعرية والأدبية في محافظات : دمشق- حمص – طرطوس – حماه – اللاذقية كما أنها مشاركة بالمؤتمرات التي عقدت في كافة المحافظات السورية حول تمكين المرأة ولها عدة محاضرات ولقاءات متلفزة حول موضوعات أدبية وتربوية هامة قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر العربي الثاني لبنان2016 قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر العربي الثالث بالأردن نوفمبر2016 قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر العربي الرابع القاهرة فبراير2018 قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر الخامس القاهرة فبراير2019 كرمت كأفضل شخصية إعلامية عربية في مهرجان القاهرة 2018 كرمت من أكاديمية ايراتو صقلية الإيطالية لعامين متتاليين دبلوم بالأفكار الفلسفية الشعرية نالت عدة شهادات تكريم من ملتقيات ونواد ( أدبية – فكرية – سياسية) صدر لها ديوان لآلئ

مقالات ذات صله