آخر الأخبار

ترجمان الأشواق …


صديقة علي

لمع نجم العمل الدرامي «ترجمان الأشواق» هذا الموسم ببريق خاص طغى على باقي مسلسلات العرض الرمضاني، وليس مبالغاً أن نصفه بِإحراج باقي الأعمال بِما امتلكه من جودة الصنعة وعمق وزخامة الأفكار، مسلسل هادئ، بلا فتوات، بلا مبالغات، وبلا صراخ، جمالية بلا وسامة ممجوجة، بلا عروض أزياء، وبلا تفاصيل لا تحترم عقولنا كما فعلت أغلب دراما هذا العام.

جاء العمل كوثيقة فنية مائزة بِخاصية نقل الحرب وويلاتها بلا عنف أو دماء، نقلها في بعض شرارتها الساكنة تحت رماد سبق اشتعالها، وفي ديستوبيا أرهقت أرواحنا ولم تزل رغم كل محاولات الإنكار، وهو ما عودنا عليه وما فوقه على سواه؛ السينمائي «محمد عبد العزيز» في سينماه الفريدة، ليأتي العمل مكملاً لمشروعه الفني والفكري والذي لامسنا بشكل خاص في أفلام «الرابعة بتوقيت الفردوس» و«حرائق».

عن سيناريو فيلم سينمائي لِعبد العزيز لم يوفق بجهة انتاجية تتبناه؛ أعاد الكاتب «بشار عباس» كتابته للدراما التلفزيونية في تحدي ملفت، فالسينما والدراما التلفزيونية في تنافر فرضته فوقية السينما بِسحرها الخاص وحساسية صناعتها، وقلما يحدث أن يأتي عمل درامي بِسويّة فنية وفكرية تُقارب الفن السابع، ولكن نتيجة التحدي جاءت بِمسلسل من العيار الثقيل نواته الحس الوطني العميق.

يلعب العمل على عدة محاور ليلتقي ويتقاطع في دمشق البهية رغم كل مآسيها.

يحكي قصة مدينة تستنجد برجل فقد ذاكرته، كي تعيد مجد ذاكرتها.

مدينة دمشق العطشى.. الرازحة تحت ضربات الإرهاب وتجار الحرب.

هي مدينة ـبل وطنـ تروي نجواها وهواجسها وألامها عبر قصة الترجمان «نجيب» (يساري/سجين سياسي سابق) مهاجر.. أجبره خطف ابنته على العودة لِوطنه ليجده مخطوفاً! ويحكي قصة استدارة صديقه «زهير» من أقصى اليسار إلى الصوفية، وهمه الأكبر في نجاة وطنه من براثن الكراهية والموت وأن يزرع بسمة أمل على وجوه أتعبها الفقد من خلال مصالحات قائمة على إيمانه بالمحبة وقدرتها على تغيير نفوس شوهتها الحرب والمال! وضياع صديقه الثالث «كمال» بين كتب فقدت جدواها والتي مثلت مرحلة فكرية سياسية  مُغتالة، وراقصة لم تملأ روحه ولم تعوضه عن رفيقة عمره الأصيلة.

قد لا يبدو المسلسل عملاً متكاملاً ولكنه بالتأكيد مثير ومحرض لنا في نظرتنا للدراما، ومن المعلوم أن الخيارات والحلول الفنية لمعالجة أي فكرة خلاقة فنياً؛ هي ملكية خاصة لِصاحبها، ولكن لنا أن نعطي انطباعنا، ومنه ما يُؤخذ على المسلسل في رتمه البطيء والمبالغة بالفواصل لدرجة الملل أحياناً، ومن كثرة وتكرار المشاهد الجوية للمدينة، فيما جاءت أسلوبية التصوير السينمائي في عدة مشاهد على حساب الحدث والحوار، ولعل خير مثال هو المشهد الطويل الذي تمّ تصويره بِكاميرا واحدة ودون تقطع، ولاقى إعجاب الكثيرين وصنفوه عن جهل بِأنه مشهد سينمائي، لكن الخبير بالسينما يعتبر ذلك التصنيف إهانة للسينما، الفن الذي يقوم على شروط محددة أهمها السبب والغاية والتناسبية بين السيناريو والصورة والمبررات البصرية لخدمة الأغرض الفكرية والوجدانية، فَلم يحقق المشهد سوى إبهار بصري فقير للتوظيف الدرامي، فضلاً عن الأخطاء الديناميكية الواردة في المشهد والتي ربما لم يلحظها سوى قلة من المشاهدين.

فيما جاءت مشاهد الراقصة «أداء: نوار يوسف» سواء في مشاهد الرقص أو انهيارها لخسارتها من أحبت على حساب أهمية وقيمة حكايات باقي الشخصيات (كعودة المخطوفات الذي مرّ سريعا).

بالمقابل، شاهدنا عدة مشاهد جرعة إبداعية عالية تأثيراً وادهاشاً ورسوخاً، منها مشاهد حرق الأم الحكيمة لكتب ابنها (الكتب جلابة النحس) وتناوب هذه المشاهد مع الرقص في الملهى بِتوليف مضبوط ليأتي وكأنه إعلان هزيمة علني.

وفي مشهد بيع البيت الأثري  ـالمطل على ساحة المرجة الشاهد على تاريخ المدينةـ لتاجر عقارات متوحش، ذلك الحوار الذي يعترف بانهزام القيم والفكر والأصالة أمام طواغيت المال، مع ما يحمله من  بصيص أمل لكنه أمل قائم على الحذر.. واللافت أن ثمن هذا البيت ( التاريخ) هُرّب خارج البلد كي يشتري حرية فتاة! فتاة خطفها أبناء البلد، وهي التي تركها والدها طفلةً ليبحث عن حريته خارج أسوار وطنه.. وتخلت عنها أمها مثلما تخلت عن كل من  المبادئ (البرستيج ) والزوج السجين.

اختارت الشابة العمل الانساني وتصوير أفلام وثائقية، توثق انسانياً للمستقبل، لتُختطَف ويكون بيع التاريخ ثمن حريتها فَتكون هي المستقبل!

يطالعنا في المسلسل مشاهد الدمار الذي لم تخلفه الحرب العالمية، بل خلفته حربٌ اتفق العالم على أن تقع.

هناك أيضاً ذلك المشهد الرمزي لانهيار الثقافة بتحول مكتبة كمال إلى مقهى، ومشهد الفنان «فايز قزق» حين فجع بصديقه، والمشهد الأخير للبارع «عباس النوري» بلقائه مع ابنته .

 ولعل من أكثر عناصر العمل قوة وملامسة للروح كان صوت ووجه واحساس الممثلة القديرة «ثناء دبسي» التي أبدعت بصمتها.

هذا العمل يعيدنا إلى مسلسلات رسخت بذاكرتنا ومنها: أرابيسك، الراية البيضا، قال البحر…

والأهم أنه يعيدنا لابن عربي وديوانه ترجمان الأشواق، كما يعيد للدراما السوريّة بهاءها ومجدها العتيد، ويهبنا أملاً بمستقبلها.

سوريا

-صديقة صديق علي

نبذة عن الكاتب

الإعلامية منيرة أحمد مديرة العلاقات العامة والإعلام بالأمانة العامة لمدرسة النهضة الأدبية الحديثة مديرة موقع صحيفة نفحات_القلم عضو جمعية بانياس الثقافية عضو منصة الحوار السوري السوري عضو الجمعية العلمية السورية التاريخية مديرة التسويق الإعلامي في قرية سامراء السياحية مديرة للإعلام في مؤسسة بالميرا للعناية بالمرأة والطفل شاركت في العديد من الملتقيات الشعرية والأدبية في محافظات : دمشق- حمص – طرطوس – حماه – اللاذقية كما أنها مشاركة بالمؤتمرات التي عقدت في كافة المحافظات السورية حول تمكين المرأة ولها عدة محاضرات ولقاءات متلفزة حول موضوعات أدبية وتربوية هامة قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر العربي الثاني لبنان2016 قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر العربي الثالث بالأردن نوفمبر2016 قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر العربي الرابع القاهرة فبراير2018 قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر الخامس القاهرة فبراير2019 كرمت كأفضل شخصية إعلامية عربية في مهرجان القاهرة 2018 كرمت من أكاديمية ايراتو صقلية الإيطالية لعامين متتاليين دبلوم بالأفكار الفلسفية الشعرية نالت عدة شهادات تكريم من ملتقيات ونواد ( أدبية – فكرية – سياسية) صدر لها ديوان لآلئ

مقالات ذات صله