اللَّبَخَةُ :- الجزء الثاني :

 

سرى نبأ وفاة معلم الصف كالنار في الهشيم ، عندما نعاه ناعٍ ، فاجتمعتُ وعدد من أقراني ، من اجل وداعه وإلقاء النظرة الأخيرة عليه وهو مسجى ببذلته السوداء وقميصه الأبيض ، تعلوه ربطة عنق حمراء كالدم ، وحبة الجوز ما زالت تنفص بين عينيه ؛ ثم عدنا أدراجنا بعد موارته في بطن الثرى .

كانت علائم الحزن بادية على وجوه الجميع ، ولم أتوقف وأقراني عن الإبتهال لله تعالى في الدعاء له ، ونحن نستذكر الحكمة القائلة : ( من علمني حرفاً كنت له عبداً ) ، فازداد توسلنا المصحوب بالرجاء إلى العلي القدير أن يتغمد فقيدنا المعلم بالمغفرة والرحمة .

وعندما بدأنا بمواساة بعضنا البعض ، استرعى انتباهنا زميلنا ( اللبخة ) يسيرُ وحده ، منفرداً عن الآخرين ، وهو غارق في الضحك ، فاقترب منه أحد الرفاق متسائلاً :

– ما بكَ .. ؟ لماذا تضحكُ وأنت بمفردك ، هل هذا أوان الضحك .. ؟ قال :

– كنت أواسي نفسي من الحزن على الاستاذ ، هذا المعلم الذي توفى في عيد المعلم – وأضاف – حدا بيتوفى في يوم عيده.!

بربكم يا شباب مين اللبخة أنا ولا الاستاذ .. ؟

قال أحد الرفاق :

– ولهذا كنت تضحك .. ؟ فأجاب اللبخة :

– ألم أقل لكم كنت أواسي نفسي ، حيث رويت لنفسي نكتاً ، فسمعت واحدة لم أكن أعرفها من قبل ، فأضحكتني طويلاً .

وللآن ما برحت وأقراني ، وقد طار غرابنا ( علا رأسنا الشيب وتلاشى شعرنا الأسود ) ، نضحك على ضحكه ، وما زال لقبه قائماً ندعوه به للآن ب ( اللبخة ) ، وهو الذي تفوق علينا بالمال والجاه والغنى ، بل وجميعنا نتوسل إليه في إصلاح سياراتنا ، لما يصيني ورفاقي من ضجر عند الذهاب إلى المنطقة الصناعية ، فكان هذا اللبخة هو الوحيد الذي ينقذنا من مشاق مشوار المدينة الصناعية ومعاناته ، بأن يرسل إلينا أحد صناعه ليشحط السيارة المكربجة إلى ورشته في الصناعة ثم يعيدها إلينا مساءً وكأنها فرس متوثب للسباق ، فكان مصداق المثل : ” الصديق وقت الضيق ” .

ولما كانت ” بالشكر تدوم النعم ” ، كان لساننا يلهج بكل عبارات الثناء على معلم الميكانيك المحترف على الرغم ما يتقاضاه من أجرٍ عالٍ ، مما يدفعنا لشتمه وتذكيره بأن معلم الصف الخامس – رحمه الله – كان منصفاً في منحه لقب

” اللبخة ” ، فيضحك كثيراً ، ثم يشتمه ويشتمنا وبحركة لولبية سريعة يرفع أصبعه الوسطى ، يوجهها إلى معلم المدرسة الذي صارت عظامه مكاحل – حسب تعبيره – ثم يضرب بأصابع كفيه الغليظتين على جيبي بنطاله المنتفختان بالمال ، فيما فرغت حقابئنا من النقود حتى خفس جزدان الجيب وبات كورقة السيجارة ، أو ضماد اللبخة .

لم يكتف هذا الميكانيكي اللبخة بما تقاضاه من أجر ، لا أشبعه الله ، لنفاجىء بتوهج الضوء الأحمر في تابلو السيارة ، يعلن مؤشرها نفاذ خزانها من الوقود ، وعندما نستغرب هذا التصرف من صديقنا اللبخة ، يجيب :

– يسواك ما يسوى غيرك ، ظلم بالسوية عدل بالرعية ، كل أصحاب السيارات يملكون بطاقة ذكية لتعبئة الوقود بسعر المقنن .

فأقسم أحدهم أمامه عدة مرات أنه يشتري ليتر البنزين بالسعر الحر لأن بطاقته معطلة ، وأن سيارته ذات سعة 2000 CC ؛ أجأب معلم الميكانيك :

– أي شو بدي ساويلك إذا الحكومة ضحكت عليك ، أخذت منك مصاري وأوراق ومستندات وورق بول ( طوابع ) وتعا وروح وروح وتعا ، واعطتك بطاقة لبخة ، قال 2000 CC قال .

لقد تمكن صديقنا اللبخة من وضعنا في اتجاه آخر ونحن نلج دائرة السؤال : ” من منّا اللبخة .. ؟ ” .

اللاذقية ٢٨ / ٦ / ٢٠٢٠ ……/ للحديث تتمة .

منيرة أحمد
منيرة أحمد

الإعلامية منيرة أحمد

مديرة العلاقات العامة والإعلام بالأمانة العامة لمدرسة النهضة الأدبية الحديثة

مديرة موقع صحيفة نفحات_القلم
عضو جمعية بانياس الثقافية
عضو منصة الحوار السوري السوري
عضو الجمعية العلمية السورية التاريخية

مديرة التسويق الإعلامي في قرية سامراء السياحية

مديرة للإعلام في مؤسسة بالميرا للعناية بالمرأة والطفل
شاركت في العديد من الملتقيات الشعرية والأدبية في محافظات : دمشق- حمص – طرطوس – حماه – اللاذقية
كما أنها مشاركة بالمؤتمرات التي عقدت في كافة المحافظات السورية حول تمكين المرأة

ولها عدة محاضرات ولقاءات متلفزة حول موضوعات أدبية وتربوية هامة
قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر العربي الثاني لبنان2016

قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر العربي الثالث بالأردن نوفمبر2016

قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر العربي الرابع القاهرة فبراير2018

قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر الخامس القاهرة فبراير2019
كرمت كأفضل شخصية إعلامية عربية في مهرجان القاهرة 2018
كرمت من أكاديمية ايراتو صقلية الإيطالية لعامين متتاليين دبلوم بالأفكار الفلسفية الشعرية

نالت عدة شهادات تكريم من ملتقيات ونواد ( أدبية – فكرية – سياسية)

صدر لها ديوان لآلئ

المقالات: 6731