Loading...

أدب وثقافة وفنون

إلماحاتٌ منهجية حول مشروعيةِ قصيدة النثر: أحمد يوسف داود

تاريخ النشر : الأثنين 04 ديسمبر 2017



إلماحاتٌ منهجية حول مشروعيةِ قصيدة النثر:
أحمد يوسف داود
 (

جرى النشر بعد الإذن من الكاتب وفقاً لحق الملكية الفكرية)).
بشكل عامّ، شملتْ (قصيدةُ الحداثةِ) منذ ولادتها فرعَينِ اثنَينِ: 1 ـ قصيدةَ التّفعيلةِ. 2 ـ قصيدةَ النّثرْ.
وقد لقيت قصيدة التفعيلةِ قسطاً أكبرَ من الشيوع والاهتمامِ النقديِّ منذ أنْ وُلدتْ رسميّاً في نهايات عقد الأربعينيات من القرن الماضي.. وانصبَّ جهدُها البنائيُّ الشكليّ على تأصيل التُّراثِ في المعاصرةِ، وعلى النزوع الملحمي، وعلى وحدة الشكل والمضمون، بينما انصبَّ جهدُها الدّلاليُّ والمَفهوميُّ على كيفيات الاستِجابةِ للتحدّياتِ التي طرحتها العلاقاتُ الجديدة بالعالَمَينِ الرأسمالي والاشتراكي في مرحلة الحرب الباردة.. وأخذ شعراؤها عموماً بنظرية (وظيفة الفن) واستبعدوا نظرية (الفن للفن).
أما قصيدة النثر التي توافق ظُهورُها مع ظهور قصيدة التفعيلة، ونهض بها شعراءُ من لبنان وسورية ومن العراق ومصر ـ بشكل رئيسي ـ، فلم تلقَ القدرَ ذاته من الشيوع والاهتمامِ النقديِّ حتى بدايات مرحلة (ما بعد الحداثة) التي ولدتها ثورة الاتصالات التكنو إلكترونية بشكل عامّْ.. وذلك رغم وجود منابر تعنى بها نشراً ونقداً منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي كمجلة (شعر) ووريثتها (مواقف) ورديفتهما (حوار) وسواها.
كان أهم شعراء النوعين المذكورين من القصيدة، يمتلكون في سياق مرحلة الحرب الباردة وعياً أيديولوجياً متفاوتاً لمهماتِ قصيدتهم.. وبالتالي هم يطرحون طرقاً في الاستجابة للتحديات الاجتماعية والوطنية والقومية المترتبة على علاقة مجتمعاتهم بالغرب والشرق في آن واحد، ويظهر هذا جلياً في شعر كلٍّ منهم حسب رؤيته وموقفه وموقعه. وباختصار كانت القصائد الهامة من النموذجين تعني موقفاً جديداً ـ إلى حدٍّ كبير ـ من المجتمع والعالم، ومن مشكلاتهما ومتطلبات البقاء والفاعلية فيهما.
وفي الأطر الحضارية العامة الراهنة، يبدو همُّ البقاء الفردي المحض والاحتياجات الذاتية كالحب وحرية الفكر والسلوك والمعتقد والتصرف..الى آخره هي الهموم الطاغية على التعبير الشعري لمن يمارسونه بجدارة أو بادّعاء.
على أن هناك أربعة معايير عامة لضمان الجودة الفنية لقصيدة النثر دون التطرق الى مضموناتها القولية، ويمكن تلخيصها كالتالي:
1 ـ الموسيقا الداخلية ـ فيما تعتمد قصيدة التفعيلة على التصرف بموسيقا أبحر الفراهيدي من حيث عدم الالتزام بأعدادها في الشطر الواحد ـ (هنا المقطع الشعري الواحد) ـ تقوم الموسيقا الداخلية في قصيدة النثر مقام الموسيقا التقليدية لأبحر الخليل وتطويراتها الحداثية، في ادّعاء أصحابها على الأقل.
ومن جهتي، فإنني أرى أن (الجملة القولية) العربية الواحدة قد (تموسقت) تلقائياً وتطورياً عبر آلاف السنين من استعمالها.. وكان آخر تطوراتها هو (الفصحى) التي تحصلت بالاندماج التطوري التلقائي لسبع لهجات من أصل نحو من مائة وثلاثين لهجة، وكان ذلك قبل الإسلام الذي جاء فعززها وأعطى أقوى صيغها التعبيرية حتى الآن: (القرآن الكريم)..وذلك التطور اللهجي المعتمَد هو ما أكده العلامة الدكتور جواد علي في كتابه الهام: (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام).
وأعتقد أن على شاعر قصيدة النثر أن يهتم بدئياً بتحقيق تلك الموسيقا الداخلية في قصيدته بالعناية بالجملة الشعرية الواحدة وبالإزاحاتِ البلاغية فيها.. وهذا يُنتجُ صورة شعرية جديدة في مستوى إبلاغي تصويري جديد، يتواشج مع الجمل التالية في المقطع الشعري التي تنحو منحى ما سبقها في المؤتلف والمختلف منها.. وهذا يشكل نوعاً من البناء الأولي لاستهلال القصيدة النثرية، يؤهل شاعرها للانطلاق الى بناء المقاطع التالية وفق ماسبق سعياً لتكاملها البنائي: بلاغياً فإبلاغياً أو دلالياً بالأحرى.
وهذا يقودنا إلى قضية:
2 ـ البناء التكاملي للقصيدة ـ فالقصيدة المتميزة لاتحتمل الاختلالات في البناء، ولا الهذر، ولا مجانية الحشو التعبيري الذي يرهق الشعرية فيها. وهنا تبدو (السردية الشعرية) ـ وهي في رأيي جزء أساسي وهام في القصيدة العربية، قديمها وحديثها ـ هي محور تحقيق جودة القصيدة على قاعدة ترابط الجمل القولية الشعرية ومحمولاتها التصويرية ذات الطابع التكاملي الإبلاغي/ الدلالي.. مع كامل ماينطوي عليه هذا من إزاحات بلاغيةٍ لإنشاء مستوى عالٍ من الدلالات الإبلاغية: الجزئية فالكلية العليا في القصيدة.
ويرتبط هذا كله بـ:
3 ـ التكامل التصويري الذي يتبدى لي ـ كما ذكرت في كتابي (لغة الشعر/ بحث في المنهج والتطبيق) الصادر عن وزارة الثقافة بدمشق عام 1981 ـ على أنه ليس تصويراً أحادياً يقوم على التشبيه، بل هو نوع من التصوير السينمائي/ الشعري الذي يحمل الدلالات المشهدية الى تكاملها في دلالات عليا للقصيدة، بصرف النظر هنا عن صيغ تلك الدلالات التي يريد الشاعر توجيهها الى المتلقي.
4 ـ المحمولات الدلالية في نص (قصيدة النثر) ـ سبقت الإشارة إلى دلالات جزئية ودلالة ـ أو دلالات ـ عليا لمقاطع القصيدة، ثم للقصيدة ككل.. وهنا يلزم بعض التوضيح الموجز.
إن القصيدة لاتُكتب إلا تعبيراً عن حال من أحوال ذات الشاعر، لكنها ـ بالمقابل ـ تكتب كنوع من الرسالة الإبلاغية للمتلقي الذي هو طرف رئيس في عملية الكتابة، بل يمكن القول: إن التعبير عن رؤية الشاعر لحال روحية/ إنسانية ما وإرساله الى متلقٍّ مفترض هو المحرض الرئيس على كتابة أي عمل شعري.. فالمشاركة بين الشاعر/ المرسِل والقارئ المُرسَلِ إليه هي شرط نجاح (الكتابة/ الإرسال) والقصيدة ،هكذا، هي (رسالة إبلاغية) في نهاية المطاف. فهي تقتضي التعبير عن التشارك في فهم وتمثُّل (حالٍ أو أحوالٍ موضوعية جمعية)، وتعبر عن بعضها بلغتها الخاصة التي تعتمد على (لغة الشعر) بكل مافيها من عناصر الخصوصية التي تميزها عن النثر العادي. والإحالات التعبيرية البلاغية/ التصويرية هي العنصر الأبرز في القصيدة. ومدى الزخم الإبلاغي وكفاءتِه فيها هو الذي يحدّدُ مستواها من علو الأداء في تحريض الشعور بالتشارك الموضوعي العام سابق الذكر بين الشاعر ومن يشاركونه قضايا العيش العام.. وشرح هذا كله يحتاج الى (نقد تطبيقي) على المنتج الشعري يستجلي ذلك استجلاء دقيقاً بالقدر المُتاحْ.
ولا بد من الإشارة هنا الى أن القصيدة الناجحة (لاتملي محمولاتها) إملاءً بل هي تحرّض المشاعر والرؤى والأحاسيس (لانعكاسِ الحال) في وجدان المتلقي، وإثارة الأسئلة لديه، أكثربكثير مما تستخدم إملاءات مسائل معلوماتية ناجزة. وهذا بدوره يستلزم معرفة عميقة بروح اللغة، يقدِّمها غنى المطالعة وليس الاطلاعُ على نحوِ اللغة وصرفها وفقهها أو علمها هوالذي يقدمه.. والشرح هنا يطول.
وبالطبع، هذا كله يُقِرُّ مشروعية قصيدة النثر ـ وإن كنتُ شخصياً أى تناقضاً عميقاً في التسمية ـ وبالمقابل هو يخرج من دائرة الشعر كلَّ ثرثرة فارغة أو مسطحة، يستميت أصحابها ليلحقوها بدائرة الشعر تحت هذه التسمية الإشكالية: أعني (قصيدة النثر). فالقصيدة نظام، والنثر هو البعثرة واللانظام، فكيف يجتمعانْ؟
!.

 

صفحة للطباعة


صفحة جديدة 1
 

شارك هذا المنشور على : Share

يمكنك تقييم هذا المنشور بالنقر هنا

المزيد من المشورات في قسم : أدب وثقافة وفنون

 

جميع الحقوق محفوظة

 
يوجد حاليا, 27807 ضيف/ضيوف يتصفحون الموقع