Loading...

بدون رتوش

مملكة الوهم:د. سليمان الصدي

تاريخ النشر : الجمعة 12 يناير 2018


مملكة الوهم
د. سليمان الصدي
يروى أن أحد الملوك كتب يوماً: إذا تمكن أحد من اختلاق كذبة، وأقول له هذا كذب فسأعطيه نصف مملكتي، فجاء إليه راعٍ وقال له: أطال الله عمر ملكنا، كان عند أبي عصا طويلة يمدها إلى السماء ويحرك بها النجوم، فقال له الملك: يا له من شيء غريب ولكنه يحدث، وجدّي كان له غليون يشعله من الشمس مباشرة، فذهب الراعي من دون أن ينال شيئاً.
وجاء الخياط فقال: اعذرني أيها الملك، لقد تأخرت إذ كنت مشغولاً فقد هبّت البارحة عاصفة شق فيها البرق السماء، فذهبت لأصلحها، فأجابه الملك أحسنت عملاً، لكنك لم تخطها بشكل جيد، فاليوم صباحاً تساقط رذاذ من المطر، فذهب الخياط ولم ينل شيئاً.
فجاء رجل يتأبط برميلاً، فقال له: ما شأنك والبرميل، فقال له جئت لأسترد برميل الذهب الذي أقرضتك إياه، فصاح الملك: أنا مدين لك ببرميل ذهب؟ فقال: نعم، قال الملك: لا هذا كذب، فقال الرجل: إن كان كذباً فأعطني نصف مملكتك، فأجاب الملك على الفور: لا هذا صحيح، فقال الرجل: إن كان صحيحاً فأعطني برميل الذهب!

النصر لابد ان يكون إعلاميا أيضا
إنها الكذبة التي تُقدّم بطريقة مقنعة، فتسوق المستمع إلى العمل بها، وهو ما يحدث في الحرب الإعلامية في وقتنا الحاضر، فثمة حرب إعلامية قام بها داعش رافقت حربه العسكرية، ويفترض أن تقف أمامها حرب على الإعلام.
لقد انتصر محور المقاومة على داعش عسكرياً، لكن جزءاً كبيراً من حرب داعش النفسية والعسكرية يرتكز على القوة الإعلامية السرية والعلنية، فقد خسر قوته العسكرية لكن منظومته الإعلامية لا زالت فاعلة.
يمتلك هذا التنظيم وسائل إعلامية مرئية ومسموعة ومكتوبة، ولديه قنوات خاصة، وغرفة عمليات في العراق، ولديه فريق عمل ينتج الأفلام المرئية والصوتية، ويقوم ببث أفكارهم على مواقع الانترنت.
مما لا شك فيه أن إعلام داعش يضخ المعنويات الإيجابية في نفوس مقاتليه ويخلق الرعب في نفوس الجنود الذين يقاتلونهم، وكأني به يردد صيحة الشاعر الجاهلي عمرو ابن كلثوم:
إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌّ تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا
ومن العجيب أن إعلام داعش عالمي، يتوجه إلى الآخرين بلغات متعددة، وهذا ما ساعده على الترويج لأفكاره، وخلق أفكار كاذبة عن مجتمعه، وهو الأمر الذي أدى إلى استقطاب إرهابيين وإرهابيات من جنسيات مختلفة إليه، فلم يكن همّ التنظيم إعلامياً نشر الأفكار الدينية فقط، بل نشر صور محفزة لجيل الشباب للانضمام إليه.
وفي إحصائية عام 2017 وصلت الإصدارات المرئية للتنظيم إلى 280 عملاً مرئياً، وسبع مجلات الكترونية مكتوبة باللغات الإنكليزية والفرنسية والتركية والروسية والعربية، ولديه مواقع تواصل اجتماعي، ودار نشر ناشطة في إصدار الكتب الفقهية والدراسات العقائدية، فأصدر في هذا العام خمسين كتاباً وزِّعت مجاناً في المناطق التي يسيطر عليها داعش

داعش له وجود إعلامي فاعل والحل ؟
يصدر التنظيم جريدة النبأ الورقية، ولديه محطتان إذاعيتان ومحطة تلفزيونية، وهذا كله يؤكد أن هنالك دولاً وأنظمة تموله، وقد أوجدته ذراعاً لتحقيق أهدافها، ورافق هذا النشاط الإعلامي لداعش نشاط إعلامي مماثل لهذه الدول والأنظمة، فقد سخرت وسائلها الإعلامية وشبكاتها العنكبوتية لدعم مشروع الفوضى الخلاقة.
إن النظام العالمي الحالي قائم على العولمة الظلامية والتقنية، وهذا يؤكد أن الانتصار الإعلامي على الإرهاب وإسرائيل أساس في المرحلة القادمة، ويفترض بإعلامنا أن يكون قريباً من العالمية، وربما كان في إقفال مواقع الأعداء حل، لكنه ليس الحل النهائي.

الحاجة إلى سلطة إعلامية
إننا بحاجة إلى سلطة إعلامية مرئية ومكتوبة ومسموعة، لا حواجز تقف أمامها سوى حاجز الأخلاق، لها استراتيجية تقف أمام كذب إعلام داعش، وتمثل حرباً على إعلامه الذي صدقت عليه قصة جحا الذي أراد يوماً أن يكسر الملل الذي هو فيه، فقال لأحد المارة إن جارنا نوى أن يدعو جميع أهل القرية على الغداء الأسبوع القادم، وتابع مسيره وأعماله الأخرى من لهو بالناس وبعد مرور أسبوع كان خارج قريته، فشاهد الجموع تتوافد إلى بيت جاره، فسأل عن السبب، فقالوا إنه دعا أهل القرية كلهم على الغداء، ففرح فرحاً شديداً وكان يشعر بالجوع، ورافق أهالي القرية إلى بيت جاره، ففوجئ بجاره يقول لأبناء قريته: والله علمي علمكم، فصار داعش كجحا كذب الكذبة.. وصدّقها!

صفحة للطباعة


صفحة جديدة 1
 

شارك هذا المنشور على : Share

يمكنك تقييم هذا المنشور بالنقر هنا

المزيد من المشورات في قسم : بدون رتوش

 

جميع الحقوق محفوظة

 
يوجد حاليا, 25668 ضيف/ضيوف يتصفحون الموقع