آخر الأخبار

تفاصيل جديدة عن سرّ إختفاء الأب باولو دالوليو

لا أحد يعلم حتى الساعة ما إذا كان اللقاء بين الأب اليسوعي الايطالي باولو دالوليو مع زعيم «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام» أبو بكر البغدادي قد انعقد أم لا. بَيدَ أنّ المعلومة الوحيدة الثابتة هي أنّه اختُطف أو اختَفى، وهو في طريقه إلى هذا اللقاء.

رغم المعلومات المتضاربة في شأن مصير الأب باولو، سواء تلك التي تحدَّثت عن تصفيته بعد أقلّ من 24 ساعة على اختفائه، أو تلك التي أكّدت أنّ خبر تصفيته مفبرك وملفّق، يبقى موضوع الكشف عن مصيره حاضراً بقوّة في أروقة حاضرة الفاتيكان، وكذلك في أروقة الخارجية الايطالية التي لم تنفِ أو تؤكّد حتى الساعة خبَر وفاته، بل على العكس، فقد أعلنت أنّ المعلومات التي تملكها متضاربة، وإيجابيّة إلى حدٍّ كبير، على حد قول مسؤول رفيع المستوى لـ”الجمهورية”. قصّة خفيّة بين الأب باولو والمطرانَين

إلّا أنّ الجديد الذي علمته “الجمهورية” من مدينة الرقّة، ومن بعض الناشطين تحديداً، أنّ الاب باولو لم يُختطف عملياً، بل سعى بإلحاح ومن تلقاء نفسه، إلى التفاوض لإطلاق ناشطين، بالإضافة إلى إطلاق كهنة ورجال دين احتجَزتهم المجموعة ذاتها، أي “دولة الشام والعراق الإسلامية”. وكشف بعض الناشطين أنّ الأب كان يجري مفاوضات سرّية تتعلّق بمصير المطرانَين المخطوفين يوحنا ابراهيم وبولس اليازجي أيضاً، ساعياً إلى فكّ أسرهما!

وفي هذا الإطار، يكشف أحد المطارنة القريبين من المطران ابراهيم، فضَّل عدم ذكر اسمه، أنّ الاب باولو اختفى حين اقترب من معرفة حقيقة مصير المطرانين! متسائلاً عن اللغز الذي يكمن وراء اختفاء أيّ شخص، أو أيّ رجل دين يسعى إلى الحصول على معلومة جديدة عن المطرانين، أو الى الإفراج عنهما!

تفاصيل أسبوع ما قبل الإختفاء

من أبرز الناشطين القريبين من الأب باولو، شخصٌ يطلق على نفسه اسم “الرقاوي من وسط الحدث”، كشف لـ”الجمهورية” تفاصيل أيامه الأخيرة، فهو الذي رافقه من تركيا الى الرقة وبقيَ معه حتى اللحظة الأخيرة قبل دخوله الى الاجتماع الذي اختفى بعده.

ويقول “الرقاوي”: “التقيت الاب باولو في تركيا، الأحد 21/7/2013، في فندق “شريهان” في منطقة غازي عينتاب. وكان يريد زيارة محافظة الرقة. وعندما علم أنني من هناك وأنوي العودة إليها يوم الجمعة، طلب مرافقتي، ولكن لظروف العمل أرجأت عودتي الى الاثنين.

عندها اعتذَرت منه وكتَبت له العنوان، وأرشدته كيف يصل الى المدينة لأنه أصرَّ على النزول يوم الجمعة، وكان يريد الإقامة عند صديق له اسمه الدكتور محمد الحاج صالح. ولمَّا وصل الى هناك، وتحديداً الى منزل صديقه، اتّصل بي، ثم التَقيته حين وَصلت الى الرقة.

فقال لي حرفياً: “أنا جايي الى الرقة منشان موضوع التوافق، لأن أرض الشام كانت دائماً أرضاً للتوافق بين كل الأديان والتيارات، ولأن الشام تعلّم العالم معنى المسامحة والتعايش بمحبة؛ ومن أجل إيجاد حلّ للدولة، (ويقصد هنا دولة العراق والشام الإسلامية) ووضع حدٍّ للتطرف ولإقناع الجميع بأنّ الحلّ سياسي وحواري”.

ويضيف “الرقاوي”: “أحبَّ الاب باولو أن يلتقي “أحرار الشام” و”الهيئة الشرعية” في الرقة، و”الدولة الإسلامية في العراق والشام”، وزار كذلك الصحافي يوسف الدعيس، ثم التَقيته مساء في كافيتريا “النكاتيف” في الرقة. ويوم السبت زار الهيئة الشرعية في الرقة منفرداً.

ثم زار المكتب السياسي لحركة “أحرار الشام”. ومساء كان ينوي زيارة “دولة الشام والعراق”، وقال لي: “إنك تؤخّر لقائي بهم”. فذهب بمفرده الى هناك عصر الأحد، وقابل الأمير “أبو عبدالله بحوث”، ثم أخذ موعداً آخر، عند الثامنة والنصف مساء”.

باولو يطلب من مرافقه العودة

ويتابع “الرقاوي”: “تناول الأب طعام الإفطار عند المهندس خلف الغازي، ثم أوصلته الى مكان الموعد في مقرّ “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، فطلب مني العودة قائلاً: “أحب أن أكون وحدي في اللقاء”.

وبعد ساعة، عاد الأب باولو من اللقاء وشارك في التظاهرة أمام كنيسة في حيّ “البياطرة”، وألقى كلمة وعاد الى بيت الدكتور صالح. ويوم الاثنين ذهب للقاء “الدولة” مجدداً، بعلم كل من الدكتور والصحافي يوسف الدعيس، قرابة الثانية عشرة ظهراً. وهنا فُقد الأب باولو فعلياً”.

ويكشف الناشطون في الرقة لـ”الجمهورية” أنّ أسباب الزيارة كانت:

1 – رسالة تعايش بين الأقليات والإثنيات والأعراق والتيارات بسوريا.

2 – المعتقلون لدى “دولة العراق والشام الإسلامية”، والمعتقلان الصحافيان الفرنسيان نيكولاس اينان وبيار تورس المفقودان منذ 22 حزيران الماضي.

3 – نيّته زيارة دير الزور، وقد طلب من أحد النشطاء تأمين الحماية له لإتمام الزيارة، لكنّ اختفاءه حال دون ذلك.

ويتابع هؤلاء الناشطون: “تصرّف الاب باولو دائماً من مبدأ قوة وعدم خوف، وهذه صفات ميَّزته. ولم يكن يخاف من فكرة اعتقاله، بل كان مندفعاً لمقابلة قادة “الدولة الإسلامية في العراق والشام”.

ويشير الناشطون إلى أنّ “كتائب “الجيش الحر” في الرقة، والمتمثلة بالفرقة 11، اهتمَّت باختفاء الاب باولو الى حد كبير وهدَّدت الجهة التي تقف وراء إخفائه بعقاب جسيم وهي ما زالت حتى اليوم تتابع الموضوع”.

ويلفت أتباع الاب باولو في الرقة، إلى أنه “قد لا يكون معتقلاً، لكن نُقل الى مكان ما للقاء أمير “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، وهو قد نبَّه سابقاً إلى عدم نشر أي شيء، إلّا بعد مضي 3 أيام على اختفائه في حال حصل ذلك.

ميدانيّاً، نشطت التظاهرات والاعتصامات في مدينة الرقّة التي اختُطف فيها الأب باولو، حيث يحظى بتأييد شعبي كبير، مطالبة بالإفراج عنه، بعدما كان الإفراج عن الناشطين المحتجزين لدى “دولة العراق والشام الإسلامية”، همَّه الاكبر ومطلبه، وقد سعى إلى تحريرهم بإصراره على التواصل مع قادة هذه الدولة واعتماد الحوار لغةً للإقناع ميَّزت حضوره وقوّة شخصيّته. وقد لاقت التظاهرات المندّدة بخطفه، صدى واسعاً. فيما لا يزال بعض الناشطين والناشطات يمرّون يوميّاً امام مقرّ “دولة الشام والعراق الإسلامية”، للمطالبة بفكّ أسره وناشطين آخرين.

الثورة المخطوفة

ويقول الناشطون في الرقة إنَّ “دولة الشام والعراق الاسلامية” هي في مواجهة مستمرّة مع عناصر “الجيش السوري الحر”، حيث تتعرَّض الباصات الخاصة بنقل الركاب والموظفين والأساتذة في جامعة الاتحاد الخاصة للتدقيق والملاحقة، ودفع الطلاب الى ترك جامعاتهم والذهاب الى “الجهاد”، ما دفع أهالي الرقة والمناطق المجاورة الى الطلب من “الجيش الحر” نجدتهم والتدخل في المنطقة الكردية للتخلص من هذه القوى التي تهدف الى تقسيم سوريا، مردِّدين قولاً واحداً: “اختطفت ثورتنا”. وأشار الناشطون إلى أنّهم فرحوا بعودة الأب باولو”.

الزعبي: وساطة روسية غير مكتملة

وعن قضية المطرانين واختفاء الاب باولو، استوضحت «الجمهورية» رئيس حركة حزب «التوحيد الإسلامي السوري» الشيخ ابراهيم الزعبي، والذي كانت له وساطات في هذا الإطار وخصوصاً في ما يتعلّق بملف الأسرى الإيرانيين والمخطوفين اللبنانيين، فقال أن لا معلومات لديه عن مصير الاب باولو، وأنه لم يشأ لعب اي دور في هذه القضية، ولكنه أكد حرصه الشديد على «حياة الأبرياء ورجال الدين بغض النظر عن انتماءاتهم ما داموا يقفون في صف المظلومين».

أما بالنسبة الى المطرانين، فكشف الزعبي لـ»الجمهورية» أنّ «شخصية من احدى الدول المجاورة لروسيا زارته في مكتبه منذ ثلاثة أشهر، وطلبت منه بصفة شخصية وضمن رسالة شفهية موجهة إليه شخصياً من البطريرك الروسي، المساعدة في الإفراج عن المطرانين».

وقد أدلى الزعبي بما يعلم «وتبادل الطرفان المعلومات، فتبيَّن بعد البحث والتدقيق ضلوع مجموعات شيشانية أو مقربة منها في عملية الخطف، وقد قال المبعوث الروسي للزعبي إنّ مجموعة من الشيشانيين طلبت من خلال وسيط، الإفراج عن بعض المساجين الشيشانيين في السجون الروسية في مقابل الافراج عن المطرانين، لكن الحكومة الروسية رفضت هذا الطلب، على حد قول الزعبي، الذي أوضح أنّ هذه الأمور تتّسم بطابع سري استخبارتي، ما يجعل جمع المعلومات فيها صعباً للغاية»، مشيراً الى انّ «التعاطي مع المبعوث الروسي توقف عند هذا الحد في مسألة المطرانين، بعدما طلبت منه تكليفاً رسمياً لمباشرة الوساطة، إلّا أنني لم أحصل على جواب حتى الساعة».

أما بالنسبة الى الجهة المسؤولة عن اختفاء الاب باولو، فانزعج الزعبي من التسرّع في توجيه اصابع الاتهام الى الجماعات الاسلامية، مؤكداً أن تلك الجماعات «تصرّح مباشرة عما تقوم به من عمليات اخطر بكثير من الخطف»!، لافتاً الى انّ «دولة العراق والشام» او غيرها، لم تصرّح حتى الآن ولم تعلن مسؤوليتها عن الخطف». واستبعد الزعبي أن تكون هذه «الدولة» هي الجهة الخاطفة، «ليس دفاعاً عنها بل لعلمي بطريقة تفكير وتحرك وآلية عمل هذه الجماعات».

واستبعد الزعبي أيضاً، في حال وجود الاب باولو مع هذه الجماعة، ان تكون قد قتلته، وكذلك الأمر بالنسبة الى المطرانين، معتبراً أن «تعتيم الاخبار يهدف الى حفظ حياتهم ولتحقيق صفقة ما. فلو قتلوا لكنا رأينا ذلك على اليوتيوب مباشرة».

واتهم الزعبي اجهزة المخابرات التابعة للدول المجاورة لسوريا، من دون استثناء، مشيراً الى انّ كل عمليات الخطف او التفجيرات لها ادارة استخباراتية معينة من خلال التمويل والتخطيط وعرقلة مسار المفاوضات، مؤكداً أنّ جهاز المخابرات السوري يرأس هذه الاجهزة وقد جنَّد شباباً ليخططوا وينفذوا عمليات خطف واستلام أموال طائلة، تشكّل اليوم «ثروات رديفة لضباط المخابرات السورية، إذ تشكّل لهم الضمان الاحتياطي في حال سقط النظام».

أما عن سيناريو النهاية الذي يتوقعه في قضية المطرانين والاب باولو، فيرجّح الزعبي الافراج عنهم ضمن صفقة مالية سرّية، وتبادل أسرى علناً. الأب باولو بخير وهو اختار البقاء!

ويقول الناشطون القريبون من الاب باولو، نقلاً عن مصدر موثوق، إنّه “ضيف وليس معتقلاً لدى “دولة العراق والشام” في منطقة “سد البعث”، قبل أن ينقل الى منطقة المنخر، وهو يتحرَّك هناك براحته ويجري اتصالات هاتفية عندما يريد، وأنه في صحة جيدة جداً، وقد اختار على الأرجح البقاء لفهمهم اكثر او في محاولة منه لإقناع مسؤولي “الدولة” بأمر ما”.

يبقى السؤال مَن مِن الطرفَين سينجح في إقناع الآخر؟ وهل سيستعمل الاب باولو سرَّ قوته بالإقناع ويُحرِّر المخفيّين؟! أم يغلبه القادة الذين لا يجيدون الحوار؟ على حد قول أحد النشطاء، فيصبح في عداد المفقودين؟!

الجمهورية

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله