.jpg)
.أرادوها حــــرباً تمهيـــدية ، فكـــانت حــــرباً تاريخــــــية مفصـــــلية ……..
……عــززت مــواقع القـطب المشـرقي ، وستـؤدي إلى تفـكك القـطب الآخر…….
……ما لــم يتحـــقق بسبــع من السنــين لــن تحقــقه التحشيـدات والانـذارات……
. المحامي محمد محسن
لو كانت الحرب التي شنت علينا حرباً عادية ، أو كنا في الأيام والأشهر الأولى من الحرب ، لفعل الانذار الثلاثي الأمريكي البريطاني الفرنسي الموجه لسورية بعضاً من فعله ، وأعطت التحشيدات أكلها , لكن الحرب ليست عادية بل هي حرب مفصلية ، تاريخية بكل المقاييس ، كما أنها باتت في الهزيع الأخير من ليلها القاتم ، لذلك يجيء الانذار كمن يهدد وهو هارب .
الغريب أن أمريكا كانت تعتقد أن هذه الحرب ستكون حرباً تمهيدية ، أو جزءاً من حروب تمهيدية ، كانت قد بدأتها في البلقان ، وجورجيا ، وأوكرانيا وغيرها ، كمقدمات ضرورية لحروب قادمة مع دول مشرقية [ روسيا والصين ] ، فأمريكا كانت متيقنة أن هذه الدول باتت تبحث عن موقع لها مستقبلي منافس ، في الجغرافيا السياسية والاقتصادية العالمية ، لذلك كان عليها أن تشعل هذه الحرب التمهيدية الاستباقية ، بهدف حصار هذه الدول من خلال اغلاق بوابة الشرق ، ولكن أمريكا أخطأت أيضاً في التقدير ، لأن الحرب تحولت بحكم الضرورة إلى حرب مفصلية وتاريخية بين معسكرين ، بين المعسكر المشرقي النازع نحو الظهور ، الذي أدرك بحكم الضرورة أنه هو المستهدف من خلال سورية ، وليست سورية وحدها فحسب .
.
بذلك يكون الصارخُ في الأمر أمران : استسهال الاستراتيجيين الأمريكيين للحرب على سورية ، قياساً على ليبيا ، وتونس وغيرهما ، والثانية اختيارهم للأدوات التي استخدموها لتحقيق ما جاؤوا من أجله ، الأولى جهلهم بأن سورية بوابة الشرق ، لذلك لن يقبل الشرق إغلاق بوابته .
أما الثانية فكانت استخدامهم [ للإرهاب ] ، كأدوات قتالية في حروبهم القذرة ، هذا الاختيار إما أنه ينم عن غباء في عدم معرفة ارتداداته المستقبلية بذلك يكون الغباء مجسداً ، أو أنهم لم يجدوا أمامهم سوى هذه الأداة الخطرة ، فكان الارهاب سلاحهم القذر ، بالرغم من أنه كان قد جرب في افغانستان ، صحيح أنه حقق نجاحات ضد السوفييت ، ولكنه انقلب على مستخدميه ولا يزال ، ومن يجرب ما جربه سابقاً وفشل ، ماذا يمكن أن يقال عنه ، خطأ استراتيجي أم ماذا ؟؟.
.
ألا يمكن أن نعتبر هذا دليل قطعي على أن القرارات الأمريكية الداخلية باتت مرتجلة ومتسرعة ، والتي تتشابه معها القرارات الأوروبية المرتجلة أيضاً ، وليس كما كنا نعتقد أو نظن أنهم يخططون لمائة عام !! .
نعم لقد أخذوا القرار الخطأ في الزمن الخطأ ، وهذا يعبر عن الواقع الغربي المأزوم الذي فرض عليهم هذا الاختيار ، فالغرب وبحسب تقديرات استراتيجييه وصل إلى مرحلة بات الواقع السياسي والاقتصادي وحتى العسكري في مأزق تاريخي ، وهذا يتطلب البحث عن حلول ، لذلك تطلب الواقع الاشتباك عن طريق أية أداة ، سعياً وراء مخرج ، فكان المخرج الذي اختير بحد ذاته مأزقاً .
.
كما أن القرارات المتسرعة التي اتخذها الأوروبيون ، في استجابتهم السريعة للانخراط في الحرب ، إلى جانب أمريكا ، دللت على إن الأطر التي تحكم العلائق بين الدول الأوروبية وأمريكا ، باتت أقرب للعلاقة بين تابع ومتبوع ، مع أن مردود هذه الحرب بالنسبة لأوروبا قد يساوي صفراً ، لأن المصلحة الأساسية ستحتكرها أمريكا ، فهي ستكون سيدة الموقف في الشرق الأوسط كله في حال نجحت في حربها ، بعد أن أخرجت أوروبا منه ، إلى الحد الذي بات فيه الأمريكيون يطلقون على أوروبا ( أوروبا العجوز ) .
علاقة التبعية هذه لم تعد صالحة للمستقبل القريب وحتى البعيد ، الذي ستكون الحروب الاقتصادية عنواناً لعقود قادمة ، وهذا يعني أن سيطرة أمريكا على المنطقة كان سيقطع جميع شرايين أوروبا الاقتصادية في المنطقة ، بشكل شبه نهائي ، كما أن القرارات الاقتصادية العقابية التي فرضها ترامب ، على أوروبا ، ما هي إلا استجابة للضغط الاقتصادي الذي بدأت أمريكا تشعر بوطأته ، وقد تُشكل مهاداً ومقدمة للتفكير الأوروبي بكيفية التملص من التبعية الأمريكية .
.
فأمريكا فتحت حروبها لأن أنفاسها أخذت تضيق من الغزو الاقتصادي الصيني لأسواقها ، وأن هذا ينذر بمنافسة جدية على وحدانيتها القطبية ، بعد أن كان تحت امرتها كل مقدرات الكون ، مما دفعها لهذه الحرب الاستباقية والتمهيدية ، فما هي مصلحة أوروبا بهذه الحرب ، ؟؟ المدقق الاستراتيجي بات يدرك أن مصلحة أوروبا تقتضي تحسين صورتها مع الشرق ، وذلك من خلال قيامها ببعض المواقف والأعمال الإيجابية ، لا من خلال المساهمة بحروب عبثية لا طائل تحتها ، وبخاصة بعد أن تفكك البعبع السوفييتي الذي كان سبباً لقبولها بالحماية الأمريكية ، المفروضة منذ الحرب العالمية الثانية ، التي تلعب أمريكا منذ ذلك الحين دور المستعمر ، باسم الحماية من ذلك البعبع ، فنشرت قواعدها على جميع الأراضي الأوروبية ، والتي لم يعد لها أي مبرر ، لأن السوفييت قد رحلوا ، وأن مصلحة أوروبا تكمن في التفلت من تحت تلك التبعية المذلة المهينة ، بعد أن استولت أمريكا على غالبية أسواقها أو تكاد .
.
هذا الخضم المتلاطم من العلاقات والتناقضات ضمن التحالف الغربي ذاته على وجه الخصوص ، وحالات الاستعصاء التي تعيش بها تلك الدول جميعها ، والتناقض الذي بدأ يعلن عن نفسه بين القطبين الدوليين ، وظهور مؤشرات تدلل على أن القطب المشرقي بدأ يحتل بعض المواقع ، وبخاصة بعد سيطرة روسيا على جزيرة القرم ، لذلك ضم التحالف المعادي هذا الكم الكبير من الدول ، لأن الكل يحلم بإيجاد مخرج لأزمته ، والكل كان يبني بعضاً من آمال على هذه الحرب القذرة بأدواتها وبغاياتها .
ولكن النتيجة كانت مخيبة للآمال ، فزادت الأزمة اتساعاً .
ولكن المؤكد والطبيعي أن هذه الأزمة التي تعصف بالعالم الغربي كله ، هي ذاتها ستدفع بأوروبا دفعاً للتفكير الجدي والبحث عن صيغة للخروج من السجن الأمريكي ، ولأن أمريكا ذاتها باتت في وضع لم يعد يسمح لها بلعب دور الحامي ، في الوقت الذي لم تعد الحماية ضرورية من جهة ، ومن جهة ثانية باتت مكلفة لأمريكا وبخاصة وهي تعيش مأزقها الاقتصادي ، وما انتخاب ترامب وتخبطه إلا استجابة واضحة لهذا المأزق .
.
إذن ثبت أن هذه الحرب ليست حرباً تمهيدية كما أرادها الغرب ، بل تحولت بحكم الضرورة إلى حرب مفصلية ، ستحسم الكثير من التناقضات والصراعات ، وستهيئ المناخ الذي سيأتي بعدها ، لحل الكثير من الأمور الأخرى في المنطقة ، قد تصل في أحايين كثيرة إلى تغيير دراماتيكي ، أي أنها قد تؤدي أو ستؤدي إلى عكس ما أراده الغرب جذرياً ، لأنها جاءت لفكفكة سورية ، وحصار حلفائها الشرقيين ، وإذا بها تؤدي إلى عكس ما أرادوا ، فسورية ستنتصر موحدة ، والحلفاء زادت ثقة شعوب المنطقة بهم بعد أن نزلوا إلى ساح الحرب ، وأثبتوا أن أمريكا ليست كلية القدرة ، ويمكن هزيمتها في جميع حروبها بالوكالة ، ولما كانت الحروب الكبيرة المباشرة بين الدول قد باتت من الماضي ، مما أدى إلى تزايد ثقتهم بضرورة انعقاد حلفهم ، كما زادت لحمتهم من خلال المعارك المشتركة .
.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كل من يعتقد أن نتائج هذه الحرب ستقف عند الفشل العسكري هو واهم ، وأن الواقع الدولي سيعود إلى ما كان عليه قبل الحرب ، هو واهم أيضاً ، وأن سورية كانت وحدها هي المستهدفة رغم أهميتها ، هو واهم ثلاثاً ، نعم نعود فنؤكد أنها كانت حرباً تمهيدية ، لحروب قادمة قد لا تأخذ بعدها العسكري ، لأن الحروب العسكرية الكبيرة باتت من الماضي ، لكنها ستكون حرباً اقتصادية بلبوس عسكري في بعض الأحيان .
هذه الحرب ستضع أوروبا على مفترق طرق مع بداية جادة في التفكير بالخروج من النفق الأمريكي .
كما ستخلخل التحالفات في المنطقة ، وستتملص أمريكا ولكن بالتدريج من مسؤوليتها في حماية الممالك العتيقة والمهترئة .
أما اسرائيل فستجد نفسها تستجدي الحل من روسيا لجميع قضاياها .
……………….هذه رؤيتي للمستقبل لا أفرضها على أحد …………





