كتب رياض الفرطوسي
لم يعد الحديث عن التفاؤل كافياً، ولا الدعوة إلى الأمل مجدية. لقد كتبنا عن المستقبل، عن الوعي، عن بناء الإنسان، عن إمكانية استعادة وطنٍ يليق بأبنائه. كانت الكتابات بمثابة جسر يربط الناس بفكرة الحياة، بمحاولة إقناعهم أن العراق ما زال قادراً على النهوض. لكن الوقائع أظهرت أن الجدار أعلى من كل محاولاتنا، وأن صخرة السلطة أصلب من كل أحلامنا.
العراق اليوم ليس أمام أزمة عابرة، بل في قلب مأزق تاريخي. مأزق تتشابك فيه الجغرافيا بالدم، وتتداخل فيه مصالح القوى الكبرى مع أطماع الجوار، وتُكمل التركيبة الداخلية المتصدعة المشهد القاتم. والنتيجة: بلد يتحرك في دائرة مغلقة، يكرر انقلابات الماضي بخطابات جديدة، ويعيد إنتاج المأساة بأسماء مختلفة.
المأزق لا يُقاس بالقرارات الكبرى ولا بخطابات الزعماء وحدها، بل يُقاس في التفاصيل اليومية التي تصرخ بصوتٍ خافت لا يلتفت إليه أحد.
يُقاس في الأرصفة المتكسرة التي تُرغم الناس على العبور وكأنهم يتسلقون خرائب، وفي المستشفيات التي لم تعد ملجأ للشفاء بل ساحات انتظار يشارك فيها المريضُ الكلابَ برد الإسفلت ورطوبة الجدران.
يُقاس في المدارس التي فقدت روحها، وتحولت إلى مقاعد خشنة تربي على الصبر أكثر مما تربي على المعرفة.
هو حاضر في وجوه الناس المرهقة التي تمشي بحذر بين يوم ويوم، وفي خوفهم الصامت من الغد، وفي الأرق الذي يسكن كل بيت حتى صار الليل العراقي ليلًا جماعيًا من الأرق.
تراه في صباحات الباعة المتجهمة، في أطفال ينبشون المزابل بدلاً من أن يحملوا دفاترهم، في أفراح اللصوص التي تقابلها تعاسة الأرامل والمطلقات، في شقاء الحاجة اليومية الذي ينهش كرامة العائلات، وفي ارتجاف الناس من مجرد فكرة المستقبل.
وإذا ما رفعت عينيك قليلًا، رأيت التفاوت الفاضح بين السلطة والناس:
زعماء يتبدلون وجوهاً وملابس وسيارات قبل الكرسي وبعده، وبين الحالتين يولد المسخ ويموت الإنسان.
رأيت الناس يتوسلون الأضرحة كأنها أبواب أخيرة للخلاص، بينما يواصل المتنفذون العزف على موسيقى سلطتهم في الضواحي المحمية، ويتركون الضواحي الأخرى لتنهشها العتمة والإهمال.
المأزق يتجلى أيضاً في طريقة المشي: مشية منكسرة تُخفي خوفاً دفيناً، وأخرى متغطرسة تستعرض القوة وسط الخراب.
يتجلى في الشعارات الفارغة والخطابات المكرورة التي تُذاع صباحاً ومساءً كالأغاني القديمة الباهتة، وفي غرف التشريح التي تعرف أكثر من السياسيين عن حقيقة ما يحدث في البلد.
حتى الطرق السريعة، التي كان يفترض أن تختصر المسافات، صارت مصائد موت، تذكّر الناس بأن الفوضى لا تقتصر على السياسة بل تمتد إلى عظامهم ودمائهم.
حتى الأشياء البسيطة صارت مرآة للسلطة: حركة موظف بطيئة، نظرة شرطي متغطرس، اختلاف ارتفاع الجدران بين البيوت، لهجة جارٍ يخشى جاره.
السلطة في العراق لم تعد تُرى كحكومة فقط، بل كقوة مجهرية تسكن كل شيء: في روث الحيوانات المتروك في الشوارع، في الأطعمة الفاسدة في الأسواق، في صمت الأرامل، في النحيب المكتوم لليتامى، في ازدواجية المشي بين من ينحني خوفاً ومن يتغطرس تباهياً. إنها سلطة تتسلل إلى المزاج والمشاعر، إلى طريقة الكلام، وحتى إلى الأحلام التي تُلاحقنا ليلًا.
وأخطر ما في الأمر أن السلطة صنعت الوهم الأكبر: أن الناس أحرار. المواطن يذهب إلى عمله، يتزوج، يطلّق، يضحك، يصرخ، ويظن أن كل ذلك نتاج إرادته. لكنه في الحقيقة يتحرك ضمن مساحة محدودة مرسومة بعناية، مثل حيوان مربوط بحبل طويل، لا يعرف حدود القيد إلا حين يحاول تجاوزه. عندها يكتشف الحقيقة: أنه لم يكن يوماً مواطناً، بل مجرد أسير يتوهم الحرية.
هذا المأزق العراقي ليس وليد اليوم. منذ الستينيات، والدم يدور في دوائر مفرغة: شعارات تُرفع ثم تُمحى، مناهج تتغير ثم تُستبدل، أناشيد وطنية تُطلق ثم تُلغى. كل شيء يتبدل إلا الثابت الأكبر: أن الضحية تصعد إلى الكرسي لتتحول إلى جلاد، والجلاد ينتظر سقوطه ليصبح ضحية. إنها لعبة تبادل أدوار لا تنتهي.
أما المظاهرات والاحتجاجات، فغالباً ما كانت تمرينات مدروسة للإحباط. انفجارات غضب مؤقتة تسمح بتنفيذ التنفيس ثم العودة إلى الصمت. لعبة خبراء لا دمى محلية: تُفتح نوافذ الصراخ قليلًا، ثم تُغلق بإحكام. فيُبقي النظام على الغضب حياً لكنه عاجز، نابضاً لكنه بلا مخالب.
المأزق العراقي إذن ليس مجرد أزمة سلطة، بل أزمة وجود. نحن أمام سلطة تملأ الأمكنة والأزمنة معاً، تسيطر على الحياة والموت، على الفرح والحزن، على الضحك والبكاء. سلطة قادرة على أن تتحكم حتى في توقيت الطلاق ومعدلات الزواج، في شكل الملابس وإيقاع الخطوات، في مشاعر الحب والخوف.
ولذلك فإن الحديث عن حلول سريعة أو إصلاحات فوقية ليس سوى وهم آخر يُضاف إلى أوهام كثيرة. فالمعضلة الحقيقية تكمن في إعادة بناء الإنسان، في ترميم وعيه، في استعادة قدرته على رؤية الخيوط غير المرئية الملتفة حول رقبته. دون ذلك سيبقى العراق سجين مأزقه، يكرر دوراته، جيلاً بعد جيل.