.jpg)
..واقـــــع الوطـــن ومستـــقبله ، حتـــى التاريخ لا يقـــبل الحـلول الوسـط ……….
المحامي محمد محسن ـ
المقال الأول
….[ الكل سيسأل من أي أرضية سياسية أو فكرية ينطلق كاتب هذه السلسلة من المقالات ، لذلك سأقدم تعريفاً ، ( وبكل تواضع ) كنت عضواً في المؤتمر القطري الأول للحزب عام / 1963 / وحضرت جميع المؤتمرات القطرية حتى عام السبعين ، بصفتي عضواً في قيادة فرع للحزب ، وانتقلت إلى المعارضة ( طبعاً الوطنية ) حيث سجنت ، وجلدت وجوعت ، ولكن عندما هاجم تتار العصر وطني أعلنت الوقوف إلى جانب وطني وبدون منة ، وأنا ( لا أنافق لمخلوق خلق ) ، بل أجد من واجبي تقديم كل ما أملكه من وعي ، ومعرفة ، وخبرة ، ومعلومات ، لكل وطني راغب في الاطلاع والمتابعة ، سعياً وراء توظيف طاقتي لصالح مجتمعي ( طبعاً من مواقع البناء وليس من مواقع الهدم ) ] .
علمني أستاذي عندما كنت طالباً [ عندما تنتقد أي نص أدبي عليك أن تركز أولاً على ايجابيات النص ، ومن ثم تفند السلبيات ] ، وهنا سآخذ بنصيحة أستاذي ، في هذا البحث الهام ، والشائك ، والمحرج ، ( ولكن ليس لي ) ، وسأقدم كل ما أعرف بكل اخلاص رضي البعض أم لم يرض .
.
حاجـــــــــــة المجتـــــــــمع للأحـــــــــزاب :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يمكن أن نقارب دور الأحزاب ، والنقابات ، ومنظمات المجتمع المدني الوطنية ، في المجتمع (( الفاعل والمتحرك والنشط )) ، نقاربه مع دور ووظيفة الشرايين والأوردة المنتشرة والمتغلغلة في جسم الإنسان ( الصحيح والسليم ) ، فالشرايين تحمل دفقاً من الدماء لتغذي جميع خلايا الجسم ، لتعود الأوردة لتعيد ما يجب تنظيفه وتجديده من الدماء إلى القلب حيث تتم التصفية ، ويعيده دماً قان ، وهكذا يستمر الضخ وتستمر الحياة ، ولكن عندما تتكاسل الشرايين والأوردة عن القيام بوظيفتها ، لعارض ما ، يتهالك الجسم وتتباطأ حركته حد السقم ، وتعشش فيه الأمراض ، حد العفونة ، وتصبح حياة الإنسان مهددة ، عندها يكون الانسان المريض إما أن (يذهب إلى الشيخ ليقدم له بعض الأدعية مشفوعة بتميمة لشفائه ) أو أن يُعمل العقل فيذهب إلى الطبيب المختص .
.
أما الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني ( طبعاً في المجتمع الحي ، والنشط ، والفعال ) المنبثقة والمختارة من الوحدات الاجتماعية التي تعمل بينها ) ، والتي عادة ما تغطي تلك المنظمات جميع الوحدات الاجتماعية في الريف والمدينة ، لذلك كان لها الحق في تمثيلها في جميع المحافل والمنتديات الوطنية ، لأنها تعيش همومها وآمالها ، وتسهر على حماية مصالح تلك الوحدات الاجتماعية ، والعمل على تطوير مرافقها ، والمعنية أيضاً بلعب دور الطليعة الاجتماعية ، المتفاعلة مع الوحدات الاجتماعية الأخرى في الوطن الواحد ، للدفاع عن مصالح الوطن الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، كما ولها الحق في أن تلعب دور الموجه والرقيب على أنشطة الوحدات الإدارية ، وما تقوم به من أعمال في جميع تلك المجالات ، ومن خلال تفاعل المركز مع الأطراف ، يبقى المجتمع نابضاً بالحياة ، لأن تلك الأحزاب والنقابات ، من أهم مهماتها الحوار مع الإدارات المعنية ومؤسساتها ، لتقديم المشورة لها ، أوتنبيهها ودفعها باتجاه تعديل بعض من سلوكها ، أو الاعتراض القوي على ممارساتها ، كما تنهض بمهمة حشد الطاقات للدفاع عن مصالح المجتمع وحريته ، عندما يعترض الوطن عارض ، كما يعتبر من أهم مهماتها نقل المعرفة وتنشيط الوعي ، وبذل الجهد للتخفيف من معاناة المجتمع الذي هي منه .
.
وبالمفهوم المقابل في حال فقدان المجتمع للأحزاب السياسية والنقابات الاجتماعية والمهنية النشطة والفاعلة ، العاملة في عقل الوعي والمعرفة العقلانية ، يصبح المجتمع راكداً ، ولما كان العقل الشرقي نواته بعامة دينية ، رغم القشرة العقلانية التي تظهر على السطح لعامة المجتمع ، طبعاً مع الاستثناءات ، عندها يميل المجتمع إلى التكور والنكوص والعودة إلى الأصول ، ويصبح الشيخ موئلاً ومرشداً ، فينمي عنده روح الخنوع والتواكل والاستسلام ، والجامع مقصداً ، نشداناً للخلاص الرباني ، فيسقط الجميع تحت تأثير الاحباط ، عندها فقط يصبح المجتمع مريضاً تعشش فيه الأمراض المذهبية العتيقة والماضوية ، ويسقط في مقبرة الأرواح الهائمة الباحثة عن الخلاص ولكن خارج الواقع المعاش ، ويضمر لديهم الشعور بالمواطنة ، ليحل محله الانتماء للمذهب أو للقبيلة ، عندها يكون المجتمع قد بات جاهزاً لأية دعوات مذهبية تكفيرية ، حتى وبيئة صالحة للعمالة ، من هنا يبدأ المجتمع بالتفكك والاقتتال ، لأنه فقد نسغ الحياة الذي كانت تمده به المنظمات السياسية العقلانية ، ببعض من الوعي المجتمعي العقلاني الوطني بديلاً للظلامية .
.
صحيح أن تطور كل مجتمع يتحدد بفعل قوانينه الخاصة ، التي هي محصلة نشاطاته وتفاعلاته الداخلية ، والتي يطلق عليها شروط التطور الذاتية ، ولكن هناك الشروط الموضوعية الخارجية ، التي يفترض على الدولة أن تتعامل معها ، والتي تمثل واقع الدول الاقليمية والدولية وتفاعلاتها وتناقضاتها ، وحجم تلك التفاعلات ومدى تأثيرها على وضع الدولة الداخلي ، هذه الشروط والظروف الموضوعية عادة ما تتفاعل مع الظروف الذاتية ، لتحدث التغيير المتوازي مع حجم تلك التأثيرات بين الظروف الداخلية والظروف الخارجية ، ولكن علينا أن ندرك أيضاً أن المجتمع النشط يغير ظروفه تحت ضغط الظروف الإيجابية التي يخلقها ، والمسؤول هنا والمعني بتنشيط حركة المجتمع ، والاشراف على فاعلياته وتفعيلها ، هي الأحزاب والنقابات الوطنية ، المسؤولة ، الحاملة لهموم مجتمعاتها والمعنية برفع سوية وحداتها الاجتماعية .
.
ثانياً ـــ واقــــــــع الأحـــــــزاب فــي بلــــــــدنا :
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما نتحدث عنه لا تشبهه ( أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية ) ولا نتحدث عنها ، والتي تقاعدت عن عملها بعد التأسيس ، حيث أقسمت أنها لن تقوم بأي نشاط سياسي أو ثقافي !! ، وأنا لم ألحظ لها اي نشاط على جميع الأصعدة ، ولكنها ( وللموضوعية ) اكتفت بمكاتب فارهة ، واجتماعات بين أفرادها غير دورية ، لتوزيع حصصها من الوزارات المتعاقبة ، التي توزع عند كل تشكيلة وزارية ، على أعضاء مكاتبها السياسية كل بدوره طبعاً ، ( ولقد تم ذلك بحضوري لأحد الأحزاب الجبهوية ، والتي بشرت بأحد أعضائها وزيراً قبل تشكيل الوزارة بشهور ) ، كما أنها لن تنسى حصتها في مجلس الشعب في كل دورة من دوراته .
.
ولكن تقتضي الموضوعية أن نذكر للجبهة الوطنية التقدمية النائمة ، نشاطها الوحيد الذي يحسب لها ألا وهو : اشرافها بكل نشاط وجذرية ، على عملية انقسامات أحزابها المتكررة التي طالت جميع الأحزاب المنضوية تحت عباءتها ، فالحزب الشيوعي أصبح أحزاباً ، والاتحاد الاشتراكي بات اتحادات ، وآخر تفريخة له [ حسن عبد العظيم الإخونجي ولكن بلبوس ناصري ] ( المعارض الداخلي في ظهراني السلطة ) والذي استقبل السفير الأمريكي في يوم استشهاد عبد الناصر ، ولا يزال يتحالف مع التشكيلات المقاتلة الارهابية ( سعودية الفقه والتمويل ) ، ويفح سماً ناقعاً في أحاديثه التلفزيونية ، التي تنم عن مدى الحقد الذي يكاد يأكل أحشاءه .
.
أما الأحزاب الحديثة التأسيس والتشكيل ، فلها شأن آخر ، فبعد أن حصلت على الترخيص ركنت للسكينة وعدم الفعل ، لم نسمع أن بعضاً من أعضائها قد جندوا لأي عمل في أي حقل عسكري أو إنساني ، سوى أنها ناضلت وتمكنت من تجميع العدد المطلوب من التواقيع التي تؤهلها للشهر والتسجيل في سجلات الأحزاب المرخصة ، بدون أن يكون للأعضاء رؤاً سياسية واحدة ، [ اذن لماذا تأسست ؟؟ ] تأسست للدخول في تكتل ما لعله يحصد بعضاً من مكاسب سياسية ، أما حضورها المهم فكان في اجتماعات ( أستنة ) المتكررة ، أحياناً تحت اسماء أحزاب معارضة ، وأحياناً موالية ، والكل يسعى لشد اللحاف نحوه ، ( ولكن مع بعض الاستثناءات ، والاستثناء لا يبنى عليه ) .





