قبلَ أنْ يُجَنَّ الفتى

 

كعادتِهِ

يمرُّ دونَ أن يلقي التحيّةَ

خشيةَ ألاّ يرُدَّ عليهِ أحدٌ

مُطرِقاً يعبرُ أبوابَ البيوت

كما لو انّها أضرحةٌ

وكعادته، يغرق في التذكّر طويلاً

ليمحو الأسماءَ والأمكنة

ويمضي إلى منفاهُ حزيناً

يعيدُ قراءةَ صورِ المدنِ القديمةِ

تلك المدن

الَّتي تشتعلُ في رمادِ المكاتيب

 

***

هوَ كأسٌ تفيضُ بماينقصُ منها

يحلمُ أن يكتبَ قصيدة

عن الأزرارِ العالقةِ في أصابعِهِ

فيصيبُهُ خجلُ القمصانِ

حين تلاعبُها الريح

لذلك يفتحُ فمَهُ عند كلِّ منعطفٍ

ويتذرَّعُ بنسيانِ العناوينِ

عندما يضيع

***

صارَ شبيهاً لها

تلكَ التي تنازلتْ للطينِ

عما ينقصُهُ من ملامحِها

ذلكَ مايجعلهُ كاملاً  في مراياها

 ويقلقُ صفحةَ الماء

حين ينظر إلى وجهِه، في البئر العتيقة

 

***

هذه الكأسُ ليستْ لي

مادامتْ فارغةً

وهي بالتأكيد ليستْ لكِ

لذلك لن نكترثَ

حين يطوِّحُ بها سكرانٌ

أو يُسقطُها طفلٌ عن الطاولة

فلمْ نكنْ ننظرُ إليها بلهفة ٍ

حين تيبَّستْ شفاهنا

كأسٌ شاردة

من قنّينةِ نبيذٍ فارغةٍ

ربَّما من نهرٍ حوّلَ الأعداءُ مجراهُ

إلى بِرْكةٍ أناخوا قربَها جمالَهم

وأشاروا إلى جواميسهم، لتسبحَ قربَ شريعتِه

وهي على أيَّةِ حال ليستْ لأَحَدٍ

فلماذا يعدُّها البعضُ من أثاثِ ليلتنا

حينَ يبصرون ملامحَ القناعةِ على وجهينا

، مادام قلبها لا يتَّسعُ

لتغدوَ مقبرةً زجاجية فارهةً

عندما نفكِّرُ بالموت ؟

 

***

ينفخُ في الرمادِ طويلاً

لعلَّ جمرةً مَيّتةً

تعترفُ بخطاياها فَتشتعلُ

يهتفُ:

– ياربّ، وينسى ما يريد

ينسى أنْ يكونَ مهذَّباً وذليلاً

حينَ يجاهرُ بالمعصيةِ

وينتصرُ لغصنٍ هاربٍ من اخوتِهِ

هو ذاتهُ الغصنُ الّذي أخبرَهُ

أنَّ الحفيفَ سيقودهُ حتماً، إلى الشجرة

***

كلُّ شيءٍ

يأخذهُ إلى المعنى الناقصِ

وهو يضحكُ كالأبلهِ

فرِحاً بالهمّةِ التي تتنزَّلُ عليه

بينما ينظّفُ أثرَ العابرين في حياتهِ

كما لو انَّ أحداً وهبَهُ مسدّساً محشوّاً

ليطلقَ النارَ على الرغيفِ المثلومِ

في بقايا المائدةِ

والرجلِ الذي أخطأ العنوانَ

فطرقَ البابَ كي يسألَهُ عنهُ

والمرأة التي نامتْ بعيداً

دونَ أنْ تخبرهُ

على أيَّةِ جهةٍ وضعتْ جَنبها

***

قبلَ أن يجنَّ

دخَّن سيجارتينِ وماتْ

 – ألمْ تقلْ إنَّه جنَّ

بعد سيجارتين من الوقت ؟

– بلى، قلتُ ذلك لأنّي لم أعثرْ عليه

قربَ رصيفٍ كان يؤمُّهُ عاقلاً

فتَّشتُ عنهُ  قلوبَ النساء

جيوبَ الفلاسفة

وخرائبَ البلادِ

وحين تعبتُ من التجوالِ

قلتُ لهُ: ابقَ حيثُ أنت

ريثما أعودُ غداً

أو بعدَ غد

سيكونُ معي من الوقتِ سيجارتان

وجنونٌ غزير

أهيلُه على خطواتِ من يبحثونَ عنك

قبلَ أنْ تموت

 

#عبود_الجابري

عمّان 2021

-اللوحة للفنان ضياء العزاوي

منيرة أحمد
منيرة أحمد

الإعلامية منيرة أحمد

مديرة العلاقات العامة والإعلام بالأمانة العامة لمدرسة النهضة الأدبية الحديثة

مديرة موقع صحيفة نفحات_القلم
عضو جمعية بانياس الثقافية
عضو منصة الحوار السوري السوري
عضو الجمعية العلمية السورية التاريخية

مديرة التسويق الإعلامي في قرية سامراء السياحية

مديرة للإعلام في مؤسسة بالميرا للعناية بالمرأة والطفل
شاركت في العديد من الملتقيات الشعرية والأدبية في محافظات : دمشق- حمص – طرطوس – حماه – اللاذقية
كما أنها مشاركة بالمؤتمرات التي عقدت في كافة المحافظات السورية حول تمكين المرأة

ولها عدة محاضرات ولقاءات متلفزة حول موضوعات أدبية وتربوية هامة
قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر العربي الثاني لبنان2016

قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر العربي الثالث بالأردن نوفمبر2016

قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر العربي الرابع القاهرة فبراير2018

قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر الخامس القاهرة فبراير2019
كرمت كأفضل شخصية إعلامية عربية في مهرجان القاهرة 2018
كرمت من أكاديمية ايراتو صقلية الإيطالية لعامين متتاليين دبلوم بالأفكار الفلسفية الشعرية

نالت عدة شهادات تكريم من ملتقيات ونواد ( أدبية – فكرية – سياسية)

صدر لها ديوان لآلئ

المقالات: 6731