آخر الأخبار

الاقتصاد الدائري

 

الدكتور محمد رقية

 

يسود العالم النظام الاقتصادي الخطي المعتمد على الإنتاج والاستهلاك ومن ثم استبعاد المواد المستهلكة كمخلفات أونفايات . يرتكز الاقتصاد الخطي على سهولة توفير كميات كبيرة من الموارد الطبيعية والطاقة، وبالتالي يتميز هذا النظام بكثافات عالية من المواد والطاقة، ويعتمد على اقتصاديات السعة والخدمات اللوجستية العالمية المعقدة وسلسلة التوريد، وعادةً ما تتحول معظم سلع الاقتصادات الخطية الموجهة نحو المستهلك إلى نفايات في وقت قصير جدًا، وهذا ليس سوى جزء صغير من إجمالي الانبعاثات/ النفايات التي تتولد من خلال عملية إنشاء السلع؛ وبالتالي فإن الاقتصادات الخطية لا تساعد فقط على استنفاذ قاعدة الموارد الطبيعية بسرعة، بل تزيد كذلك من سرعة تدهور الأنظمة البيئية الطبيعية مثل المياه والهواء والأرض من خلال انبعاثاتها الملوثة، وأخيرًا وليس آخرًا، فإن أنظمة الاقتصاد الخطية غير مصممة لزيادة القيمة المضافة الإقليمية إذا أخذت جميع التكاليف الحقيقية والخفية بعين الاعتبار ولا يمكن أن يستمر إلى أجل غير مسمى . وبناء عليه وباعتبار أننا في عالم محدود الموارد هناك حاجة ماسة إلى تطوير نماذج اقتصادية جديدة، بمعنى أن النموذج الصناعي في استهلاك المنتج ثم التخلص منه، يعتبر نموذجاً اقتصادياً غير مستدام، في ظل توجه عالمي لاعتماد مفاهيم الاستدامة بمفهومها الشامل. وهنا يظهر مفهوم الاقتصاد الدائري أو «المستدام» الذي يعني استخدام موارد أقل في عمليات التصنيع وتغيير الممارسات السائدة في التخلص من المنتج في النفايات، إلى إعادة استخدامه مثل إعادة إصلاحه أو إعادة التصنيع أو إعادة التدوير للمنتج )بمعنى أن المنتجات ومكوناتها يمكن إصلاحها وإعادة تصنيعها ومن ثم استعادتها كمادة خام للبدء بعملية تصنيع أخرى). أي الاقتصاد , الذي لا ينتج نفايات نهائية إلا بحدود ضيقة جدا، من بداية تصميمه وبالتالي لا يسبب تلوثا في البيئة. وهو مصمم لتدوير المكونات والمنتجات وإعادة الاستخدام بجودة عالية، وتكون السلع المنتجة في إطاره قابلة للإصلاح والتجديد منذ تصميمها بما يضمن الاستفادة منها مرات عديدة، الأمر الذي يقود إلى استخدام أكثر فاعلية وكفاءة للمواد. وبما يقود إلى تحقيق الاستدامة التنموية

يقدم الاقتصاد الدائري كنموذج اقتصادي جديد يهتم بتغيير كل أساليب الإنتاج وأنماط الاستهلاك غير المستدامة. بحيث يهدف لحفظ قيمة المنتجات والمواد والموارد في الاقتصاد لأطول فترة ممكنة من عمر الاستخدام وتقليل النفايات بشكل كبير. ويساهم الاقتصاد الدائري في تعزيز الكفاءة وخفض استهلاك الطاقة الكهربائية وانبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، إضافة إلى تحديث النظام الاقتصادي وخلق فرص عمل مستدامة

إن الاقتصاد الدائري هو اقتصاد حيوي يهدف إلى تغيير الطريقة التي نعيش بها من خلال اعتماد التطوير والابتكار في الصناعة والاستهلاك. وبالفعل بدأت شركات وعدد من الدول في تبني نهج أكثر دائرية في الإنتاج والاستهلاك وفرص الدفع بالابتكار كمكون أساسي في سياسات الدول أو المنظمات والشركات حول العالم. وسيكون الاقتصاد الدائري واحداً من أكثر القضايا الاستراتيجية في السنوات المقبلة ويهيئ للاعتماد على الابتكار ونشر النماذج الاقتصادية المرنة

يتميز الاقتصاد الدائري بثلاث خصائص أساسية

1- هناك دائرة كاملة على طول سلسلة القيمة من المواد الخام إلى المنتجات ثم إعادة استخدام الموارد في نهاية عمر المنتج.

2- – إعادة بناء رأس المال ويشمل ذلك الموارد المالية والطبيعية والاجتماعية بهدف تعزيز تدفق السلع والخدمات.

3- الاقتصاد الدائري محفز للابتكار و يشجع على الإنتاج الصديق للبيئة والاستهلاك الرشيد وإعادة التدوير.

ويعتمد الأفكار التالية :

  • محاكاة الطبيعة: وتعني وفقا لـ جانين بنيوس العمل من خلال دراسة النظم والتصميمات الطبيعية وتقليدها من أجل حل مشاكل الإنسان، على سبيل المثال دراسة ورقة نبات من أجل ابتكار خلية شمسية أفضل. وذلك وفق ثلاثة مبادئ: الطبيعة كنموذج، الطبيعة كمقياس،والطبيعةكمرشد.

 

  • الإيكولوجيا الصناعية: وتعني دراسة تدفقات المواد والطاقة من خلال المنظومات الصناعية، وذلك بهدف خلق منظومات دائرية مغلقة، يتم فيها النظر للنفايات كمدخلات ومن ثم إلغاء فكرة وجود منتج جانبي غير مرغوب فيه، وينظر لهذه الفكرة على أنها “علم الاستدامة Science of Sustainability“.

 

  • من المهد إلى المهد: وهو المبدأ الذي صكه والتر ستاهل Walter Stahel المهندس المعماري، والبيئي السويسري والذي له الفضل في صياغة تعبير “من المهد إلى المهد” لمناقضة “من المهد إلى اللحد” – والذي يعبر عن وسيلة عمل الاقتصاد السائد “من الموارد إلى النفايات”

من المتوقع أن نشهد ظهور نوع مختلف من المستهلكين الذين يهتمون بنموذج مبتكر من أنواع الملكية وهو ملكية الخدمات بدلا من الملكية الفردية للسلعة أو المنتج. ويحمل تبني هذا النوع من الأعمال فرصاً كثيرة، منها: حفظ المواد الخام عن طريق نقل الملكية من المستهلك إلى المنتج، ويعد هذا حلا لمجابهة عدد من التحديات في قضية تغير المناخ، وندرة الموارد والنمو السكاني العالمي المطرد.

 

وبحسب مؤسسة آلين ماك آرثر فإن الاقتصاد الدائري هو نموذج اقتصادي عالمي يفصل النمو الاقتصادي والتنمية عن استهلاك الموارد المحدودة، ويهدف إلى إبقاء المنتجات والمكونات والمواد في أعلى قيمة وفائدة في جميع الأوقات.

والاقتصاد الدائري يعنى بتغيير وإعادة تنظيم الإنتاج والاستهلاك حول أربعة عناصر رئيسية وهي :

1-إعادة تصميم سلاسل التوريد،

2-الابتكار وتطوير التكنولوجيا، لدعم خلق منتجات وأنظمة يتم فيها إعادة استخدام المواد وإعادة تدويرها أو إعادة تصنيعها والتوجه نحو التشارك بدلا من الامتلاك (أي ستقوم الشركات مثلا بالاحتفاظ بالملكية للمنتج كالسيارة أو غسالة الملابس وتبيع للمستهلكين خدمة الاستخدام أي بيع فائدة المنتج بدلا من المنتج) وقد لمست ذلك على أرض الواقع في تايلاند في المشاريع والأبنية السكنية الضخمة , حيث أن البيوت لاتحوي غسالات لأنه يوجد في كل بناء غرفة توجد بها مجموعة من الغسالات المختلفة الأحجام تعمل 24 ساعة متواصلة , فمن يرغب بالغسيل يأخذ مالديه ويضعه في الغسالة التي يريد ويحدد الوقت الذي يريد بإجور رمزية , وهي عملية مريحة جدا”وأفضل بكثير من امتلاك غسالة مع مايتحمله ذلك من تبعات .

3-التغيير في سلوك المستهلكين

4-التنظيمات و السياسات التي تساهم وتمكن لهذه التغييرات.

 

والمثال الشائع على ذلك هو إدارة النفايات والمعالجة المثلى للمخلفات العضوية ومن أمثلة استراتيجيات كفاءة الطاقة الأخرى الإضاءة الموفرة للطاقة عن طريق مصابيح الليد، والمضخات عالية الكفاءة في قطاع المياه، وذلك على سبيل المثال لا الحصر، وتساعد الاستراتيجيات الإقليمية للطاقة المتجددة، كخطط التجمعات السكنية التي تعمل بالطاقة الشمسية واستخدام طاقة الرياح وتحويل الكتلة الحيوية إلى طاقة، في الحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري، كما تضع أساسًا حسابيًا طويل الأجل للتكاليف المتدرجة لأجيال الطاقة وتوفر الكثير من فرص العمل في التخطيط والإنتاج وصيانة البنية التحتية الجديدة للطاقة.

يعود الفضل في تعزيز القاعدة التطبيقية للاقتصاد الدائري والمتعلقة بإعادة استخدام المنتجات إلى المهندس المعماري والبيئي السويسري والتر ستاهيل الذي ابتكر قاعدة «من المهد إلى المهد» عام 1976، أي قبل (13) سنة من الظهور الآيديولوجي والأكاديمي للاقتصاد الدائري في كتاب اقتصاديات الموارد الطبيعية والبيئة، الصادر عام 1989، لمؤلفيه البريطانيين، ديفيد بيرس، وآركيري تيرمز والتي تركز على إمكانية تجديد الاستفادة من المنتجات عبر تدويرها وإعادة إخراجها في أشكال واستعمالات جديدة لخدمة الاقتصاد والبيئة. ووفقا لقاعدة من المهد إلى المهد فإن الأنشطة الاقتصادية الدائرية، تنقسم إلى مجموعتين، الأولى:

تلك الأعمال والممارسات الوقائية التي تعزز إمكانية إعادة الاستخدام للآلات والمكائن والأبنية والجسور التي تجاوزت عمرها الإنتاجي، وتمديد فترة خدمتها إلى آجال أخرى بدلا من إخراجها من الخدمة وفقا لمبادئ الاقتصاد الخطي (التقليدي)، وذلك من خلال الصيانة والإصلاح وإعادة التصنيع والترقيات والتحسينات التقنية.

أما الثانية فهي مجموعة الأنشطة التي تحول البضائع القديمة إلى موارد جديدة عن طريق إعادة تدوير المواد للاستخدام في نشاطات جديدة.

يشير تقرير صادر عن المفوضية الأوروبية إلى أن عوائد الاقتصاد الدائري في الاتحاد الأوروبي تصل إلى نحو (14) تريليون يورو بحلول عام 2030، علاوة على انه سيحد من انبعاثات الكربون بما يقارب (450) مليون طن سنويا.

تشير العديد من الدراسات كما يذكر الخبير الاقتصادي الدكتور أسعد السعدون إلى أن الاقتصاد الدائري سيحدث ثورة في مجال استغلال الموارد الضخمة من النفايات التي لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وسيجعل منها واحدة من أهم القطاعات ذات القيمة المضافة للكثير من الاقتصادات الوطنية، وخاصة أنها القطاع الإنتاجي الوحيد الذي توجد وفرة في مدخلاته وبكلف منخفضة، فقد أشار تقرير صادر عن «منتدى الاقتصادي العالمي» و«مؤسسة إلين مكارثر» عام 2015 إلى أن الاقتصاد الدائري سيوفر على العالم تريليون دولار بحلول عام 2025، وسيولد مائة ألف وظيفة جديدة خلال خمس سنوات. فيما كشفت دراسات شملت نحو 7 دول أوروبية أنّ مضاعفات الاقتصاد الدائري قد تؤدّي إلى خفض انبعاث غازات الدفيئة بنسبة 70 بالمئة.علاوة على ذلك تبرز أهمية الاقتصاد الدائري في انه يحافظ على ديمومة الموارد الاقتصادية المتاحة المحدودة أصلا عبر الاقتصاد في استخدامها، وبالتالي يمثل عامل دفع نحو الابتكار في مجالات إعادة استخدام المواد والمكونات والمنتجات وتقليص الهدر والضياعات سواء في مرحلة تصنيعها أو في عمليات ما بعد التصنيع.

وعموما فقد اهتمت المؤسسات الصناعية الكبرى في العالم بتطبيقات الاقتصاد الدائري ولا سيما في مجال تحويل النفايات إلى طاقة، حيث يوجد في الوقت الحاضر نحو (700) مصنع حول العالم تعمل في هذا الميدان. كما بادرت العديد من الشركات الأخرى إلى استخدام النفايات في صناعات أخرى جديدة، مثلا استخدام نفايات زيوت الطبخ بعد تصنيعها كزيوت للسيارات. فيما استخدمت شركات أخرى منتجات النفايات الصناعية مثل خراطيم المياه والمظلات وإعادة تدويرها على هيئة أحزمة وحقائب ومحافظ، كما تقوم شركات أخرى بإعادة تدوير فضلات الورق والأخشاب في تصنيع الورق المقوى والكارتون ووفقا لتقرير صادر عن مجلس الجمعية الصينية لبحوث التنمية المستدامة عام 2014. تقوم المئات من الشركات الصينية بإعادة تصنيع فضلات الأقمشة والجلود في صناعة الملابس الرخيصة الثمن، كما تقوم بإعادة صهر وتصنيع الزجاج والبلاستك لصناعة الأواني والعلب الزجاجية والبلاستيكية وغيرها، وأنها منذ سنوات وهي تسعى لإطلاق سبع صناعات جديدة اعتمادا على الاقتصاد الدائري

إن بناء الاقتصاد الدائري، لا يعني، وكما أشار والتر ستاهيل، القطع مع الاقتصاد الصناعي بل يمكن أن يكمل أحدهما الآخر، فالاقتصاد الدائري لا يمكن أن يقوم بذاته، فهنالك دوما الحاجة للاقتصاد الصناعي الذي يقوم على إنتاج سلع وأجهزة من موادّ جديدة. لذلك فالتعامل بتوازن بين النظامين الاقتصاديين من شأنه أن يساعد على تجاوز المخاطر البيئية التي يتسبب فيها الإفراط في الإنتاج الصناعي. سيترتب على ما سبق تحقيق التآزر بين نموذج الاقتصاد الدائري ومفاهيم التعايش الصناعي والإنتاج الأنظف والتصميم البيئي والاستهلاك والإنتاج المستدامين

من المتوقع أن يساهم تطبيق معايير الاقتصاد الدائري في تقليل البصمة البيئية وخفض النفايات المتراكمة في مرادم النفايات وخفض نسب تلوث الهواء وحل استراتيجي لمجابهة تغير المناخ. حيث يسهم في تخفيض كمية الطاقة التي تحتاجها عمليات الإنتاج الصناعي لتحويل المواد الخام الأولية إلى منتجات صالحة للاستعمال، وأيضاً تساهم فكرة شراء الخدمة بدلا من المنتج في الحد الكبير من النفايات التي تتراكم والتي تسبب بمرور الزمن مشكلات بيئية عديدة.

. ومن الأمور المثيرة للانتباه ما تقوم به شركة فورد وهاينز من أبحاث في إمكانية استخدام قشرة الطماطم كأساس لمواد تركيبية جديدة لقطع غيار السيارات واستخدامها كبلاستيك حيوي.

 

الفرص كبيرة، التقنيات موجودة في الغالب، التمويل ورؤوس الأموال على استعداد للتحرك نحو استثمارات مربحة، المطلب الوحيد هنا هو التفكير إلى الأمام والتخطيط السليم لتفعيل إمكانات النمو بكل أشكاله.

ويبقى السؤال: أين موقعنا من الاقتصاد الدائري؟ و أين موقع الاقتصاد الدائري في ثقافتنا ؟

نبذة عن الكاتب

الإعلامية منيرة أحمد مديرة العلاقات العامة والإعلام بالأمانة العامة لمدرسة النهضة الأدبية الحديثة مديرة موقع صحيفة نفحات_القلم عضو جمعية بانياس الثقافية عضو منصة الحوار السوري السوري عضو الجمعية العلمية السورية التاريخية مديرة التسويق الإعلامي في قرية سامراء السياحية مديرة للإعلام في مؤسسة بالميرا للعناية بالمرأة والطفل شاركت في العديد من الملتقيات الشعرية والأدبية في محافظات : دمشق- حمص – طرطوس – حماه – اللاذقية كما أنها مشاركة بالمؤتمرات التي عقدت في كافة المحافظات السورية حول تمكين المرأة ولها عدة محاضرات ولقاءات متلفزة حول موضوعات أدبية وتربوية هامة قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر العربي الثاني لبنان2016 قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر العربي الثالث بالأردن نوفمبر2016 قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر العربي الرابع القاهرة فبراير2018 قامت بالتغطية الإعلامية لمهرجان الشعر الخامس القاهرة فبراير2019 كرمت كأفضل شخصية إعلامية عربية في مهرجان القاهرة 2018 كرمت من أكاديمية ايراتو صقلية الإيطالية لعامين متتاليين دبلوم بالأفكار الفلسفية الشعرية نالت عدة شهادات تكريم من ملتقيات ونواد ( أدبية – فكرية – سياسية) صدر لها ديوان لآلئ

مقالات ذات صله